ولد في مدينة دمشق سنة 1928.
دكتوراه دولة من السوربون عام 1978.
دكتوراه في تاريخ الفن 1964.السوربون
عمل مديراً للفنون الجميلة (1962-1971)، ومديراً عاماً للآثار والمتاحف (1971-1988). وأستاذاً للتّاريخ والفن والعمارة في عدة جامعات عالمية وعربية .
نال عدة أوسمة وميداليات تقديراً لأعماله ومساهماته العلمية، وعضو ومؤسس في عدة جامعات ومعاهد.
 
بعض الآراء
  عفيف البهنسي باسم شعبك وباسم الحكومة العربية السورية، شكراً لك لأنك دفعت لبلدك وأخلصت، وكنت ومازلت مثالاً يحتذى به
وزير الثقافة رياض نعسان آغا

البهنسي فيلسوف جمالي
  من أصعب ما يعاني منه الباحث المدقق أن يكتب عن بعض الشخصيات المبدعة التي يعرفها أو التي يقرأ لها.. ويعد الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي المولود بحي الشهداء في دمشق (17/4/1928م) من تلك الشخصيات المدهشة التي تضعك في صميم الحيرة والقلق العظيم، إذ تأخذك إلى أطياف شتى لا تدري كيف تتأملها، أو كيف تلتقط ملامح الجمال فيها؟
الدكتور حسين جمعة رئيس إتحاد الكتاب العرب

  عفيف البهنسي ما يزال يسطر الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن والإبداع
د. حيدر يازجي رئيس إتحاد الفنانين التشكيليين

  الحديث عن الدكتور عفيف البهنسي يعني الحديث عن موسوعة متنقلة، فهو الباحث والأكاديمي والمؤرخ وعالم الآثار والأستاذ.
أ. محمد قجة رئيس جمعية العاديات في حلب

  أشكرك أيها المبدع المكرم باللهجة العربية الأكادية (بفرعيها البابلي والآشوري) وأقول لك:

أخي أتَ جُملانك ملك علي
أي : أخي أنت جميلك ملك علي حياتي

وأحييك بلهجة السيد المسيح العربية الآرامية وأقول:

بطوبا وسلام

أي: بطيبِ وسلام

د محمد بهجت قيسي - أستاذ التاريخ القديم واللهجات العروبية الأكادية والكنعانية والآرامية

في الإبداع

الإبـــداع


عفيف البهنسي ما يزال يسطر الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن والإبداع
الدكتور حيدر يازجي   رئيس إتحاد الفنانين التشكيليين

    يعني تكريم المبدعين  أن نفيهم بعض حقهم , لأن المبدعين والفنانين صناع التاريخ في عصرنا يستحقون كل اهتمام ووفاء , فهذا البلد الذي أنجب الكثير منهم  يفخر اليوم بالاحتفال بما أنجزوه ... إنه تكريم ذو معنى خاص ودلالة كبيرة يؤكد اهتمامنا جميعاّ بالثقافة والفن والتاريخ والفكر وأعلامه ,  وبكل من أضاف إلى المعرفة كنزاّ جديداّ.

    إن الخطوة التي كتبت  بها أيها المكرم .. لم تكن وحدها التي قادتك إلى الطريق الذي أصبحت عليه في قصيدة النقد والبحث السوري ، بل تعدت إلى صيغة الطلب والبحث عنها.. تدهش بالمعنى والموضوع والمتخيل.. يعززها ويؤكدها ذلك التكريم الذي يحمل قيمة سامية نبيلة , محققاّ المعادلة الأهم في النقد والعطاء , مرتقياّ للتمسك بالاعتراف بإبداعات وإنجازات المكرم الطرف الأول في هذه المعادلة , والمبدع الذي أعطى طوال حياته ,و وهب أقانيم من كل ثقافته ومعرفته لأمته ووطنه، وقدم للدارسين والمهتمين عصارة فكره وإبداعاته.

   الجهة التي اعترفت بعطاء هذا المبدع وإنجازاته الإنسانية والحضارية والفنية والإبداعية هي الطرف الآخر في المعادلة , من خلال تقديرها لقيمة ما قدمه لكل دارس ومهتم وفنان، تقديرها للدكتور البهنسي  الذي ترك إرثاّ فنياّ كبيراّ ولا يزال يسطر الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن والإبداع عبر العصور ’ بمنهج علمي أكاديمي بنقده وبحوثه الزاخرة.

الدكتور "عفيف البهنسي" - أمد الله في عمره- ذاكرة علمية أغنت الكثير من الكتب والمراجع الفنية للدارسين في كلية الفنون والآثار والعمارة، فعندما تدخل عالمه يعني هذا أنك أمام تاريخ طويل بالمعلومة التي ترفد المساحات التشكيلية السورية والعربية المعاصرة، فهو المدير الناجح في أداء عمله , وبحساسية شفافة استطاع أن يواكب العديد من الإدارات أحدها بين عامي 1962-1971 عندما تولى مديرية الفنون الجميلة كأول مدير لها في سورية، وبعدها عندما تولى منصب مدير عام الآثار والمتاحف عام 1971-1989 هذه الفترة التي زخرت بالعطاء والتأليف..  
وفي نقابتنا بل اتحادنا اتحاد الفنانين التشكيليين نقف بكل احترام وإجلال لمن عمل على تأسيس هذه النقابة والتي كان الدكتور "عفيف البهنسي" أول نقيب لها.
تبقى كلية الفنون الجميلة الصرح الإبداعي والأكاديمي شاهداّ على من ساهم في تأسيسه بعد أن كان حلماّ يراود خيال المبدعين والفنانين , إلى أن أخذ شكله اللائق , وكان البهنسي فيها مؤسسا و محاضراّ وأستاذاّ ومؤلفاّ للعديد من الكتب والمراجع الفنية .
و على نطاق التدريس الفني..  نود أن نشير إلى مراكز الفنون التشكيلية الموزعة في المدن السورية والتي تدرس الفن لمن يرغب ودون النظر لعمره أو مستواه التعليمي، فالمعيار هو موهبة الدارس وما تقدمه هذه المراكز من تدريس وتدريب وتعليم مجاني و كان للدكتور عفيف البهنسي الدور الكبير في إنشاء هذه المراكز التابعة لوزارة الثقافة..

وهنا لا أود أن أعدد ما قام به فناننا وباحثنا الذي نحتفل اليوم بتكريمه , لكن أكتفي بالقول: إنه متعدد الإبداعات والعطاءات , فهو إضافة لكل أبحاثة وكتاباته ، فنان متعدد المواهب ، مصور ونحات ومصمم لكثير من الأعمال الفنية والمعمارية والتشكيلية، ونشر له في سورية والبلاد العربية أكثر من سبعين مؤلفاّ مرجعياّ وعدد من المعاجم والموسوعات ترجم بعضها إلى اللغات الأوروبية.. لذا فهو بحق واحد من أبرز الباحثين المرجعيين العرب..

باسم اتحاد الفانين التشكيليين في سورية وباسمي كرئيس في هذا الاتحاد وأحد طلاب الدكتور عفيف في كلية الفنون الجميلة , نعتبر أن هذا التكريم هو تكريم لنا جميعاّ، تكريم للعطاء ,  وتقدير لمن رسم وصمم وكتب وأبدع وأعطى كل ما يمكن أن يعطيه فنان وباحث ومعلم , وأن يقدم للأجيال القادمة مراجع ومعاجم وموسوعات في أبحاث التاريخ والفنون تبقى زاداّ خالداّ لمن أراد البحث والمعرفة . نبارك لكم هذا التكريم الذي يعتز به كل الفنانين.
شكراّ لمن كرم بكم الفن والإبداع.
ليكن التكريم طريقاّ نسلكه في دعم إبداعاتنا...

الدكتور عفيف البهنسي:عمر من البحث عن جمالية الفن العربي الإسلامي وعن شخصية مستقلة للإبداع العربي
محمد مروان مراد

    حين يشرع الكاتب في الحديث عن شخصية إنسانية أسهمت بدور بالغ التأثير في حياة المجتمع تتملكه الحيرة، ويتوقّف ملياً عند السؤال: من أين بدأ؟.. وتغدو الصعوبة أكثر حين تكون هذه الشخصية متعددة الجوانب، متنوعة المواهب، موسوعية الفكر، وغزيرة العطاء في ميادين التميز والإبداع، وهي سمات تجتمع فقط في كوكبة نادرة من الشخصيات الوطنية، التي يجود بها الزمن في سرانح من دورته، ويغني بها المسيرة الوطنية على دروب التقدم إلى الأهداف النبيلة.
كذلك موقفي حين قيل لي: أنت فيمن يتحدث عن د. عفيف البهنسي، توقفت طويلاً أستعيد شريط الذاكرة، وأستعرض مخزونها من الصور المحتشدة التي كان الدكتور بهنسي مكوّناً أساسياً من مكوِّناتها، وعمله الإبداعي عنصراً رئيساً فيها.
فمن أين أبدأ؟.. لغيري – وهم كثر – أن يتحدثوا عن الرجل من منطلق معرفتهم المبكّرة به.. ومن صداقات ومشاركات عملية معه في مجالات متعددة، زاملوه إبان التحصيل الجامعي، ورافقوا مسيرته في ميادين العمل والإبداع المتعدد الوجوه، وبدأت معرفتي به من خلال مؤلفاته القيمة المتنوعة التي أغنت المكتبة التاريخية، وسدّت ثغرات كثيرة في سجل المعرفة، وبالذات في ميادين التاريخ والفن والعمارة وألوان الجمال..
أذكر البداية في الخمسينات من القرن الماضي، وكنت في المحطة الأولى من الطريق الطويلة في البحث الأدبي والتاريخي، حين عرَّفني أستاذي المؤرخ القدير الراحل د. شاكر مصطفى إلى مؤلفات د. عفيف البهنسي، ولفت انتباهي إلى ملامح عديدة في شخصيته.

  1. الدأب في السعي وراء المصادر الثقة.
  2. الأمانة في التدقيق والتحقيق.
  3. البلاغة في التعبير بأسلوب علمي وفني.
  4. الرقي في استخدام الصور الراقية والوثائق والمخطوطات إضافة للإخراج الفني المبتكر، واستخدامه لكل ذلك لتحقيق هدفين رائعين:

الأول: إضاءة سرادق التاريخ، والكشف عن الصفحات الذهبية للتراث الفكري العربي الإسلامي، وتجديد نبض الحياة في الوثائق والسجلات التاريخية التي تجلو للأجيال ما كان من سبقٍ متميز للمؤرخين والمبدعين الرواد في كل مجال...
والثاني: التعريف بالمعالم التاريخية، الأوابد والمشيدات التاريخية وشواهد العطاء الفني في العمارة العربية الإسلامية التي ما تزال إلى يومنا ماثلة بكل بهائها وشموخها في أرجاء الوطن العربي، تبهر العقول، وتدل العيون على مكامن العبقرية الفنية ودلائل الإبداع.
وأخبرني الدكتور شاكر مصطفى بكثير من الاعتزاز: أنت، بكلمة، مع مؤلفات   د. البهنسي أمام لوحة باذخة تأسر الفكر والمشاعر... ولكنها قبل هذا وذاك، تغني الفكر وتثري محصلتك من المعارف الجميلة التي تسعى وراء المزيد منها.
وبدأت من تلك اللحظة أتتبع مؤلفات الباحث القدير الدكتور البهنسي، وأحرص على حضور محاضراته، التي أمست مراجع لي وللباحثين، فيما نكتب ونؤلّف...
رحلة الدكتور البهنسي مع الإبداع والعطاء الفكري مستمرة منذ أكثر من نصف قرن، سواء في المناصب الأكاديمية والإدارية التي وسّدت له، أو في صفوف التدريس الجامعي أو في أبهاء الندوات والمؤتمرات العلمية والدولية... أو على منابر المحاضرات في المراكز الثقافية، أو على صفحات العشرات من دراساته ومؤلفاته في فلسفة الفن وتاريخ العمارة وبالذات تاريخ العمارة العربية الإسلامية، باللغة العربية وبلغات أجنبية متعددة.. أو أخيراً في معاجمه وموسوعاته التي تشكّل بمجموعها كنزاً ثميناً من كنوز المعرفة الإنسانية.
سبعون مؤلفاً ونيّف، هي محصلة عمر من الدأب والسهر، جنّد له الدكتور البهنسي طاقاته، وضوء عينيه.. فاغتنت المكتبة العربية بما كانت بمسيس للحاجة له في باب التأليف في التراث والعمارة والفن..
وإن المتأمل في هذه العناوين يستطيع أن يميز خيطاً ذهبياً أنيقاً يجمع بينها وينظمها في عقد متألق، حبّاته: الفن، العمارة، الإبداع.. الجمال...
ولقد سبقني إلى عرض أعمال الدكتور البهنسي نخبة من الأساتذة الأجلاء، حاولو اختزال مسيرة نصف قرن من العطاء المبدع في ساعات معدودة، وأجيء أنا من الهامش لأقدم نبذاً من حوارٍ معه فيه إضاءةٌ على فكره المستنير، وجهده الخير وروحه الوثاب إلى كل جديد ومفيد.

الفن العربي: روحاني النزعة ومتحرر من الواقع:
سئل يوماً: إنك تؤكد في أغلب مؤلفاتك أن هناك علم جمال عربياً ذا مواصفات معينة.. فما هي تلك المواصفات؟ فأجاب:
عندما قدم أفلاطون مبادئ فلسفة الفن كان يتحدث عن الفن الإغريقي، ذلك الفن القائم على قانون جمالي محدد تركز في أنظمة معمارية ثابتة هي النظام الدوري والنظام الإيواني والنظام الكورنثي، وكان النحت يعتمد على نسب جمالية محددة 1/7، 1/8، 1/9، وكان النموذج الجمالي الأمثل مأخوذاً من النموذج الهرقلي، حتى الآلهة كانت ذات جمال أولمبي وامتدت قواعد الجمال الأفلاطوني حتى وصلت إلى كمالها عند (بومجارتن)، وكان كأسلافه يعتمد على الجمال الفني.
أما الجمال في المفهوم العربي، فإنه لا يقوم على مقاييس الجمال الإنساني الرياضي، بل على مقاييس مطلقة تبدت في الخروج عن الطبيعة وعدم الخضوع للواقع المادي، فكان الفن العربي، الروحاني النزعة المتحرر من تأثير الواقع، ولقد فسر علماء الجمال سابقاً هذا الفن على أنه بدئي، لأنه لم يصل إلى الكمال الرياضي، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام فنون حديثة خرجت كلياً عن القاعدة والقانون، فعادوا لتمجيد الفن العربي الإسلامي، كما مجدوا الفن الإغريقي والفن الإقيانوسي والفن الصيني، وتبين لهم أن وارء كل فن فلسفة متميزة، هكذا رأينا منذ البدء أن الخلفية الفلسفية للفن العربي متميزة عن غيرها من الخلفيات، وإنه بقراءة متعمقة للتراث الفني الإسلامي والعربي نستطيع أن نستقرئ مبادئ هذه الفلسفة، إذ أن عدم محاكاة الواقع لم تكن نتيجة المنع، كذلك لم يكن تحوير الواقع مجرد خشية الوقوع في شبهة مضاهاة الخالق في مقدراته على الخلق، بل إن الفن التشبيهي سواء كان ترقيناً (تصويراً إيضاحياً) في مخطوط، أو كان منمنمة فارسية تزين ملحمة أو ديواناً، قد نشأ عن فكر إبداعي يرفض التبعية ويسعى نحو الرؤية الذاتية المتفردة القائمة على حذف العناصر الهامشية، وتقديم الصورة بعيداً عن المحسنات البديعية والبلاغية المصطنعة والقاعدية التي تفرض نفسها على الفنان.
إن فلسفة الجمال العربي هي فلسفة روحانية وليست رياضية، إنها تقوم على مقاييس مطلقة وليست نسبية، وتسعى للتعبير عن المثل والتقرب منه سواء في العمارة أو التشكيل، والفن العربي فن الحياة، ففي كل الأشياء والأزياء فن، فليس من تفريق بين ما يسمى الفن الرفيع – والفن الوضيع – وهو فن الأدوات والأشياء، ولذلك فإن السجادة والمصباح والسيف والمنمنمة هي فنون إبداعية رفيعة المقام، ولم تكن وضيعة لمجرد كونها استعمالية، ثم إن العمل الفني وكذلك التذوق يقوم على الحدس وليس على الإدراك العقلي كما قال (ليوناردو دافنشي).
-لقد كان هدف الدكتور البهنسي من البحث عن جمالية الفن العربي الإسلامي وعن شخصية مستقلة للإبداع العربي، إيضاح ملامح فلسفية متميزة تساعد على التأصيل فما المقصود بالتأصيل؟ يجيب:
إن سعينا المستمر، منذ نصف قرن لتوضيح معالم الفكر الجمالي العربي يهدف إلى وضع الأسس التي يمكن أن يقوم عليها الفن العربي اليوم، إن فننا الحديث كان وليد التيارات الغربية، وما زال تابعاً لها، ونحن نبحث عن فن يتمم مسيرة الحركة الفنية العريقة، فن متصل غير مبتور، فن أصيل وليس فناً دخيلاً هجيناً، ومن أجل ذلك، كان لا بد من توضيح ملامح شخصية الفن العربي، وذلك عن طريق تقديم التراث المعماري والتصويري وتحليله، وعن طريق تحديد مصطلحاته العربي وتخليصها من العجمة والرطانة، ثم عن طريق توضيح أبعاد الجمالية العربية من خلال آراء المفكرين القدماء، وخاصة أبا حيان التوحيدي.
-   ما العلاقة بين الإبداع والثورة والفن، وبرأيك هل الفن الحديث هو ثورة؟
-  الفن هو إبداع، وهذا يعني أن الفنان يقدم شيئاً جديداً يختلف عن الأشياء المألوفة، وفي كل عمل يحدد الفنان موقفه من الواقع، والمتذوق يبحث عن الطريف ويبحث عن المدهش، هذا التغيير هو ثورة مستمرة على الواقع المألوف، فالإبداع هو بحد ذاته ثورة، وهذا العصر ثوري لأنه يقوم على المغامرة الإبداعية والتحول من موقع إلى موقع مضاد، إنه في دوامة ديالكتيكية بالمعنى الهيغلي، فهو ثورة ولا شك، إن جميع تيارات الفن كانت نتيجة جدل بين الذات والموضوع، بين التاريخ والطبيعة، بين السكون والحركة، ومحصلة هذا الجدل كانت قطباً جدلياً يفرز محصلة أخرى، هكذا هو مسار الجدلية الثورية.
- أنت تصر على أن تحديد حضارة أمة ما يبدأ من تحديد خصائص العمارة، فما هي خصائص العمارة العربية؟
-  العمارة وعاء حضاري وهي شكل الحضارة المرئي والمشخص، وهوية مجتمع ما أو مدينة ما، تتوضح أولاً من خلال شكل العمارة، فالمدينة القديمة التي تدخر عبق التاريخ ما زالت رغم هرمها وفقرها المادي أغلى وأصدق تعبيراً عن الشخصية الحضارية لساكنيها، ولذلك فإن دعوتنا لحماية المدن القديمة، هي دعوة لحماية هذه الشخصية الحضارية المشخصة، وتجتاح الهجانة طابع المدينة الحديثة، حتى إننا لم نعد نفرق بينهما وبين أية مدينة حديثة أمريكية أو أسترالية، ونبحث وراء المشهد الحضري لمدينتنا الحديثة عن شخصيتنا القومية فلا نراها أبداً، هكذا نعيش غربة في مدننا، إن مشهد المدينة الحديثة التي انبثقت منها العمارات السحابية إلى جانب العمارات القزمية دون تنسيق، وامتدت فيها الحدائق بفراغات تخطيطية غير متوازنة مع كثافة العمارة في مركز المدينة وضواحيها، هذا المشهد لا يعبر عن مدينتنا وعن هويتنا، إن مشهد مدينة فاس أو القيروان أو حلب، بالبيوت المتداخلة التي تكون نسيجاً ملتحماً في مستوى واحد هو أخفض من مستوى المآذن التي تهيمن وحدها على مشهد المدينة، هذه المدينة الهادئة المتلاحمة هي المدينة العربية التي يعيش فيها الناس بالتحام وتواضع وراحة وأمن قابعين في فردوسهم الداخلي، حيث أفنية الدور المضمخة بروائح الياسمين والنارنج، وحيث خرير المياه يلحن هذا السكون الوجدي الخاشع إلى المطلق والحق.
- ما هو دور العرب في تقدم فن العمارة؟
-   في مؤلفاتي الجامعية (الفن عبر التاريخ، اتجاهات الفنون المعاصرة، الفن والعمارة في العالم)، تحدثت عن جميع مراحل الفن والعمارة في العالم، بما يفيد الدارس ويساعده للرجوع إلى مصدر عربي موسع عن تاريخ الفن والعمارة، وكان عليّ أن أكون موضوعياً، فقدمت منهاجاً معرفياً أكاديمياً، وخارج نطاق الجامعة توسعت في موضوعين كان اهتمامي بهما بالغاً، حتى إنني قدمت بهما رسالتين جامعيتين أتبعتهما بكتب متعددة، الموضوع الأول هو (أثر العرب في الفن الحديث) وهذا يعني أنني جعلت المناخ الجمالي العربي مصدراً أساسياً من مصادر الفن الحديث في العالم، والموضوع الثاني هو (فلسفة العمارة والفن)، فلقد تبين لي أن وراء هذه الإبداعات العربية والإسلامية، يكمن فكر جمالي لا بد من إيضاحه، ولأنني شديد الإعجاب باتجاهات الفن الحديث التي استمدت مواضيعها وأساليبها من الشرق، قدمت كتابي (أثر العرب في الفن الحديث) ثم كتابي (الاستشراق في الفن)  .ولأنني شديد الاهتمام بالفلسفة الجمالية العربية، أفردت لها عدداً من مؤلفاتي، مثل (جمالية الخط العربي) و(العمارة العربية، الجمالية، الوحدة والتنوع) و(جمالية الزخرفة العربية) و(جمالية الفن العربي).
- كيف نعود إلى التراث بعد غيبة الفن العربي الإسلامي طويلاً عن ساحة الاهتمام العالمي؟
- لا أعتقد أن الفن العربي الإسلامي غاب عن الساحة العالمية، فمعارض هذا الفن الإسلامي التي أقيمت في عواصم العالم، وروائعه التي ما زالت أغلى ما اقتنته المتاحف العالمية، ويجب أن أقول إن تدريس هذا الفن في باريس أو في شيكاغو أو في كامبردج وهارفرد وإكسفورد، تأريخاً وفلسفة، هو أوسع وأقوى من أية دراسة تتم في أية جامعة عربية أو إسلامية، وإن المؤلفات والمراجع التي كتبها المؤرخون والفلاسفة والنقاد عن الفن العربي والإسلامي باللغات العالمية، ما زالت وحدها هي المرجع لكل باحث وإن عددها باللغة العربية ضئيل جداً، وفي البداية لم نقرأ الترجمات لهذه المراجع الأجنبية، مما دفعني إلى تأليف كتب تراثية في (الفن الإسلامي) و(العمارة العربية)، وإذا أردنا اليوم أن نبحث عن التراث فإن ذلك يكون لردم القطيعة التي تمت بين الفن الحديث وبين الفن العربي الأصيل الذي آمن بأهميته جميع الباحثين في العالم، إن يوماً نعيشه، ويزدهر في الحاضر وليس في المستقبل، نرى فيه الفن التشكيلي العربي في مكان مرموق، ونراه يخوض غمار الحركات الفنية العالمية، وإذا تمسك هذا التيار المعاصر بهويته العربية فإنه يستطيع أن يحتل مكاناً عالمياً وتقديراً، ونحن نلمس هذا في دراسات كثيرة لكتّاب الغرب.
- ما دور الفن في التعبير عن الأحداث التاريخية التي تمر بها أمتنا العربية؟
- أعتقد أنه من سمات الأصالة (الانتماء) الانتماء للتاريخ، للأحداث، للأمة، والفن غير المنتمي  هو فن معلق في الهواء تذروه الرياح، إن عدم الانتماء والحياد والهامشية هي آفة تيارات الفن الحديث في العالم، وفي جزء من اتجاهات الفن في البلاد العربية، ولقد تحدثت في ذلك مطولاً في كتابي (الفن الحديث في البلاد العربية) الذي صدر عن منظمة اليونسكو في باريس، ويجب أن نميز بين الانتماء للتاريخ بآناته الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الانتماء للماضي فقط، إن الإنسان كائن تاريخي وليس كائناً سلفياً غير موجود في الحاضر والمستقبل، ولذلك فإن الدعوة السلفية، هي دعوة فاسدة، إذ أنها تلغي الحضور الزمني للإنسان، وتلغي الوحدة العضوية للتاريخ، والانتماء للتراث لا يعني الانتماء للماضي، والذين يقولون هذا القول يفسدون معنى التراث، التراث هو تراكم العطاء الإنساني عبر التاريخ، وما أنجز اليوم في الحاضر هو تراث الغد والمستقبل، وهكذا فإن الانتماء للتراث هو انتماء للتراث القومي عبر التاريخ بجميع آناته.
ظلت هذه الأفكار المشرقة محور اعمال الدكتور عفيف البهنسي طوال سنوات مسيرته الرائعة، ونتسائل بعدها:
ما هي العبارة التي نستطيع أن نلخص بها أحداث تلك المسيرة الرائعة، إن كان ذلك ممكناً؟ إنها بصدق عبارة تشير إليه بالمحبة والتقدير والعرفان وتقول:
- أنت بالصدق ابن هذا الوطن العزيز الغالي، أعطيت بلا تقاعس، وأنجزت بلا منٍّ، وأثريت مسيرة الفكر والفن والجمال، وتركت بصمتك المتميزة على كل صفحة في سجل الابداع، وتلك شيمة الرواد الخيرين الأوفياء.
ولهذا يبقى اسمك مضيئاً في ذاكرة الخلود مع الخالدين النبلاء، يحتفظ الوطن لك بركن حميم في القلب، وتذكرك الأمة في عداد الجديرين بالتكريم والعرفان على مدار

 
|     Copyright © 2010 afif-bahnassi. All rights reserved.    |   
Powered by Identity