اسمحوا لي أن أحييكم في هذا اللقاء الكريم الذي تجتمع فيه النخبة من الأصدقاء والباحثين والعاملين في ساحة الأدب والسيرة والتاريخ والإبداع الفني ، ويسعدني شخصياً أن تكون المناسبة مخصصة لتكريم أخ عزيز وصديق متميز ، وعالم متنوع العطاء في مجالات المعرفة المختلفة ألا وهو : الدكتور عفيف البهنسي .
ومن البداية أصارحكم بأن شهادتي في الأخ المكرم الدكتور عفيف مجروحة ، لأنني وبحكم مشاركتي في الوظائف المهنية التي توليتها ، أو من خلال إسهامي في العمل التطوعي في خدمة مدينتنا الغالية دمشق العروبة , دمشق الاصاله , دمشق التاريخ ، وفي ميادين العمل الأخرى ، تعرفت على الصديق العلامة الدكتور البهنسي وأكبرت فيه الخلق الرفيع ، والهمة العالية ، والدأب المتواصل في سائر المهام التي أسندت إليه ، سواءاً في مديرية الآثار والمتاحف أو في نقابة الفنون التشكيلية ، أو في جمعية أصدقاء دمشق بيتنا الحميم الأول ، حيث كان واحداً من الكوكبة الخيرة التي وضعت الحجر الأساس في صرحها ، وعضواً فعالاً وعاملاً بإيثار ومحبة في تحقيق أهدافها ....
ناهيك عن محاضراته في المراكز الثقافية ، ومشاركته في الندوات والمؤتمرات العربية والدولية، ومؤلفاته البالغة الأهمية التي اشتملت على دراسات موثًقة في فنون العمارة والتراث المعماري وفي الفن التشكيلي ، وفي النقد الفني ... وما لا يحضرني من ألوان العطاء الفكري المتألق الذي حفلت به مسيرة نشاطه الجاد طوال أكثر من نصف قرن من الزمن ....
على أني وباعتباري في عداد الشخصيات التي أوقفت جهدها وعملها الدائب على احتضان مدينة دمشق ، وسهرت على حمايتها من التعديات المتواصلة على معالمها التاريخية وأوابدها الأثرية ...
أتوقف ملياً عند واحد من مؤلفات الدكتور البهنسي الراقية ، وهو مؤلفه الصادر عن دار الجنوب للنشر في تونس عام 1981 ، في سلسلة مدن العلم العربي ، ونشر بعنوا ( دمشق الشام ) . وآمل أن ألقي الضوء في هذه العجالة على مضمونه كنموذج لبقية مؤلفات الدكتور البهنسي ، التي لابد وأن عديداً من الزملاء الأكارم سيتوقفون عندها ، ويتولون مهمة عرضها وتقديمها لجمهور المهتمين في هذه الندوة التكريمية .....
يقدم لنا المؤلف في المقدمة مجموعة الأهداف التي حرص على تحقيقها في الكتاب .
- تقديم صورة واضحة عن معنى دمشق كمدينة تاريخية تعرف عنها من يجهلها , أو يرغب الاستزادة من معرفته عنها .
- الكشف عن روائع المدينة الخالدة .
- تتبع مكونات دمشق الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية , التي حققت لها الدوام والخلود إلى يومنا الحاضر .
وبهذه الأهداف الموضوعة يغدو الكتاب موسوعة ثمينة في ستة فصول ثرية المضمون, دقيقة المعلومات , شائقة العرض وأسلوب رشيق وأنيق , تميز به الباحث في مؤلفاته الكثيرة .
ففي الفصل الأول , الذي حمل عنوان دمشق عبر التاريخ الطويل , يتجول الكاتب عبر تاريخ المدينة ليقدم لنا معلومات غزيرة عن اسم دمشق , معناه واصلة , وبداياته في كتابات المؤرخين القدامى والرحالة والجغرافيين ,وسكنى الإنسان في دمشق من فجر التاريخ , وتطور الحياة في أقدم عواصم الدنيا , التي ماتزال قائمة إلى يومنا هذا, والحضارات الراقية التي تعاقبت عليها بدءا من الارآميين إلى الإغريق والرومان والبيزنطيين , ثم الأحداث لها التي كانت مسرحا لها بعد تحريرها على أيدي العرب المسلمين ,وظهورها كعاصمة للخلافة الإسلامية في العهد الأموي , وهو أرقى العهود التي مرت في التاريخ العربي , حيث ترامت حدود الدولة من شواطئ الأطلسي وجبال البيرنة غربا إلى نهر الاندس وتخوم الصين شرقا , وهو اتساع لم نجد له شبيها في التاريخ القديم .
وتتوالى العصور على دمشق , وتتسع المدينة , وتظهر الأحياء الجديدة ,وتتألق المعالم العمرانية الأثرية , قصورا واسعة , وأسواقا مزدهرة ومدارس راقية وخانات رحيبة , ومرافق خدمات حديثة ..... وصولا إلى دمشق الثورة على الاستبداد العثماني والعمل على تحقيق أغلى أحلام الأمة وهو تكوين مملكة عربية ناهضة تضم كل الأقطار الناطقة بالضاد .
من دمشق – يقول البهنسي – ظهرت بواكر الحركة العربية , ووزعت المنشورات والقصائد الشعرية الداعية إلى اليقظة العربية والتحرر من قيود التبعية والتخلف ... ومن دمشق انطلق العمل العربي المشترك ممثلا في الجهاد الصادق بالسلاح وبالكلمة الحرة الملتهبة حماسا واندفاعا حتى تحقق الاستقلال الناجز , ومضت سوريا في طريق الحرية تبني وتتقدم إلى غدها الزاهر بخطى واثقة , وأيمان لا يتزعزع . ......
وينقلنا الباحث الدكتور البهنسي في الفصل الثاني من مؤلفه , للحديث عن جغرافية دمشق ومناخها وطبيعتها الساحرة , ويتوقف متمهلا عند ملمحين رائعين من ملامحها المتميزة :
واحتها الغناء : الغوطة الخضراء ارض الخير والعطاء , وكانت كما عهدها الإباء غابة كثيفة الأشجار المثمرة والخضرة اليانعة , تمد أبناء العاصمة بألوان الخضار والفواكه الشهية , والحبوب والبقول ,.... وما لبثت أن امتدت لها يد العدوان , فاستنزفت أرضها, وخسرت غطاءها الريان , وحولتها إلى ارض جرداء , تشكو لخالقها ظلم الإنسان
الوجه الثاني للمدينة الخالدة فهو نهر بردى , شريان دمشق وقلبها , يوم كان ينبوع الخير المتدفق حياة وعطاء , ومصدرا لسعادة أبنائها الغيارى ... السعادة التي لم تكتمل , بعدما سرى الموت في سرير النهر , وغاض ماؤه بفعل التعديات الظالمة , والهدر في الاستخدام المسيء , وغير المسؤول . مع الأسف البالغ .
أما في الفصل الثالث من كتاب دمشق , يحملنا الباحث الكريم في رحلة شائقة يعرض خلالها تطور الحياة الثقافية في المدينة , ويقدم لنا بالتوثيق والتحقيق الدقيق صورا عن التقدم الثقافي والعلمي بدمشق , عبر العصور التاريخية , من خلال عشرات المدارس التعليمية التي ناف عددها على أكثر من 160 مدرسة ودار للقران إضافة إلى البيمارستانات ومعاهد الطب التي شهدت نهضة علمية راقية , وكرم فيها الباحثون والعلماء ,وللمثال فقط " كان رجال الدولة وكبراؤها يقفون في مجلس السلطان نور الدين محمود حتى يأمرهم بالجلوس , أما أذا دخل العلماء والفقهاء فكان السلطان يقوم إليهم ويجالسهم , ويجزل أعطياتهم " وقد انفق على المدارس والتعليم النفقات الطائلة , وبالذات على مرافق الطب التي كانت في الوقت نفسه مقرات للتعليم وللمعالجة . ويتابع الباحث الدكتور البهنسي تطور التعليم في دمشق حتى عصرنا الحاضر الذي شهد أنشاء المدارس ,وتضاعف أعدادها بعيد الاستقلال لتغدو بالمئات شاملة مراحل التعليم المختلفة , وصولا إلى أنشاء الجامعات , بكلياتها المختلفة , وأقسامها المتخصصة في كل مجال أدبي وعلمي وتقني .
في الفصل الثالث نفسه يخصص الباحث بابا لموضوع الفنون والصناعات التقليدية بدمشق , فينطلق متتبعا تطور الحرف التقليدية الدمشقية , كالحفر في الخشب والزجاج المعشق وصناعة السيوف , والنقش في المعدن والصباغة , ويفرد الباحث صفحة لعرض ألوان الصناعات الفنية المبتكرة التي اختص بها الدمشقيون المهرة كالأنسجة الحريرية "الروكار" والدامسكو,, وفن الارابيسك والرقش والتصوير التي ماتزال أثارها البديعة شاهدا على أبداع الأيدي الفنية المحترفة , في المنشآت المعمارية الدمشقية كالمساجد والقصور والبيوت الكبيرة ....ويخص الكاتب بالذكر أعمال المعماريين والزخرفيين , وبالذات منهم من عمل في التطوير على الزجاج , والمتجسد في لوحات فنية شعبية , اختص فيه " أبو صبحي التيناوي " وآخرون , فذاعت شهرته, ووصلت أعماله إلى دول العالم .. ويتطرق الباحث أخيرا إلى النهضة الفنية الحديثة بدمشق , والتي حمل رسالتها الموفدون إلى الغرب لمتابعة تحصيلهم الفني في جامعات أوربا , ولما عادوا كانوا المؤسسين للنهضة المعاصرة التي بلغت اليوم شأوا متقدما وتحتل معه مكانة مرموقة في الحركة الفنية الحديثة . ....
يطوف بنا الباحث الدكتور البهنسي في الفصل الرابع من سفره القيم بين معالم وأثار مدينة دمشق , فيتحدث بداية عن دمشق التاريخية القديمة , سورها وأبوابها ومساجدها ومدارسها وأسواقها وحماماتها وخاناتها ومكتباتها , وأشهر معالمها العمرانية الباقية : خان اسعد باشا وقصره الكبير والمدرستين : الظاهرية والعادلية ومتحف الخط العربي في المدرسة الجقمقية والمتحف الوطني ومتحف دمشق التاريخي .ويتوقف المؤلف طويلا عند أروع مشيدات دمشق الباذخة : الجامع الأموي الكبير , ليستفيض في عرض تاريخه من بداية كمعبد آرامي للإله حدد, إلى معبد وثني لجوبيتر الدمشقي , إلى كنيسة مسيحية .... وصولا إلى نهوضه مسجدا جامعا على يد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك , حيث أصبح منشاة معمارية فارهة , تختصر أرقى وأروع صور الإبداع المعماري العربي ,وتحتضن أجمل آيات الزخرفة والفن الإسلامي , وتبقى شاهدا حيا على العبقرية الفذة للفنان والمعماري المسلم , ولا تكتمل حكاية المعالم الدمشقية الأسرة, بغير زيارة البيوت الفارهة الأحياء الشعبية العريقة , فيفرد الباحث صفحات من مؤلفه , لجولة في البيت الدمشقي , الذي يمثل في واقعه قصرا منيفا بكل معنى الكلمة , ويحتضن جنة وارفة مترعة بالخضرة والثمر والماء العذب والزهر الفواح بأندى العطور والروائح الزكية . كذلك يهتم الباحث في هذا الفصل بمعلم عمراني اجتماعي اختصت به دمشق منذ القدم , وهو الحمام الشعبي , فيعرض تاريخه وتقاليده , ويدعو إلى صيانته ليبقى في عداد الشواهد على المدنية والرقي والتراث الخالد .
يتابع الباحث الدكتور البهنسي رحلته الشائقة في مدينة دمشق , فيفيح للقارئ في مؤلفه, نافذة يطل منها على عالم الدفء والحميمية في حياة الدمشقي , ولقد خص هذا العالم بصفحات قيمة من الفصل الخامس , بحث فيه تاريخ سكان العاصمة , من بداية نشأتهم الأولى في حضن العروبة , وارتباطهم بالحضارة العربية الإسلامية , ومحبتهم للمعرفة , ومهارتهم التجارية , وسلوكهم المدني , وطباعهم الأخلاقية , وتنافسهم في الخير , وتسابقهم إلى العمران وبخاصة أعمار المساجد والمدارس والتكايا ... ويفرد ركنا من دراسته لعادات السكان وانشتطتهم الأدبية , واحتفالاتهم الراقية في المناسبات الاجتماعية والدينية , وأعراسهم ونزهاتهم ... كما أن في الفصل الخامس حديثا لطيفا عن سمر الدمشقيين ولهجتهم المحببة , وأمثالهم الشعبية التي تعكس أخلاقيتهم وذكاءهم, وقد أعطى أمثلة كثيرة وجميلة عنها . ثم يتبع ذلك كله بحكاية المطبخ الدمشقي الذي اختصت به المدينة , وبراعة المرأة الدمشقية في طهو ألوان الطعام الشهي , واغناء المائدة الشامية بأطيب الأطعمة والحلويات والفواكه النضرة .
ويقبل المؤلف أخيرا على الفصل السادس في كتابه , وقد خصصه لتقديم صورة دمشق اليوم , وهنا يحمل كأميرته , المعبرة ليطوف مع القارئ في أحياء دمشق العريقة : الميدان , القيمرية , المهاجرين , المزه , الصالحية , الشيخ محي الدين , الأكراد , الشركسية والقنوات , معرفا بكل منها مستعرضا تاريخ نشأتها وتطويرها , ولايهمل الحديث عما تضمنه من معالم عمرانية وتراثية , كالجوامع والمدارس والزوايا والمنشآت والمرافئ العامة و ثم يتجول في شوارع المدينة الفسيحة , وأسواقها الشهيرة: الحميدية ,العصورنية والبزورية , وينتهي هذا الفصل بالحديث عن اتساع المدينة , وظهور الضواحي الجديدة , لاستيعاب التزايد السكاني , كما يتحدث عن الشوارع الفسيحة , والمباني الحكومية , ومرافق الخدمات والمنشات الرياضية والاقتصادية , كما يشير إلى تغير التركيبة السكانية في المدينة وتحولها من النظام العائلي في البيت الدمشقي الكبير إلى نظام الأسرة الصغيرة في الشقة المتواضعة بإحدى عمارات المدينة, وما تبع ذلك من تبدل العلاقات الاجتماعية , وكان ذلك بسبب تأثير الهجرة الداخلية الكبيرة في السنوات الأخيرة , من المدن والأرياف إلى العاصمة , مما احدث تضخما سكانيا خانقا , وأرهق مرافق الخدمات , وهو مايستدعي دراسة جادة ووضع الحلول الناجعة لوقف هذه الهجرة غير الطبيعية , عن طريق الاهتمام بالمدن والقرى واستكمال مرافق الخدمات فيها , وإنقاذها من استنفاذ طاقتها البشرية النازحة .
لقد جهدت وسعي في هذه الإضاءة للكتاب القيم دمشق الشام . جهدت أن الخص أهم بحوثه , وأعطي لمحات عما يضمه من دراسة جغرافية وتاريخية واجتماعية , حرص مؤلفه أن يكون سجلا موثقا بكل معنى الكلمة , ومما يلفت الانتباه في المؤلف بشكل خاص :
اختيار المؤلف الموفق للسمات الهامة في وجه المدينة وتطورها الحضاري والإنساني .
اعتماده على المصادر التاريخية والوثائق وكتابات الباحثين المدققين عن المدينة الخالدة .
تزويد الكتاب بالصور الواضحة والمعبرة عن المدينة , والمجسدة لمعالمها التراثية ومرافقها الحديثة , والمقدمة بأناقة وإخراج متميز .
أسلوب العرض المكثف والشائق في أن معا , ولغته الراقية .
وكل ذلك جعل من الكتاب موسوعة موثقة بالعبارة المحققة , والصورة المختارة , تغني القارئ عن مراجع عديدة أخرى , وأنا أثمن بتقدير وعرفان هذا الجهد المخلص الذي أذا أضفته إلى جهود أخي الدكتور عفيف في عشرات المؤلفات التي أصدرها بالعربية ولغات أخرى , وغطى بها كل ملامح دمشق الجميلة و إضافة إلى كتبه في مجالات العمارة والفنون والجمال .... أرى نفسي غير مبالغ في يوم تكريمه , أن اعبر بما أكن له من مشاعر الفخر والاعتزاز والتقدير , وأقول له : سلمت يداك وفكرك , وأمدك الله بالعزم والصبر والحماس لتغني الوطن بمزيد من عطائك , الذي تباهي به مدينتك الجميلة معتزة بأبنائها البررة , وتشمخ بأعمالهم الخيرة وثمرات قرائحهم المتميزة ...
" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "