ولد في مدينة دمشق سنة 1928.
دكتوراه دولة من السوربون عام 1978.
دكتوراه في تاريخ الفن 1964.السوربون
عمل مديراً للفنون الجميلة (1962-1971)، ومديراً عاماً للآثار والمتاحف (1971-1988). وأستاذاً للتّاريخ والفن والعمارة في عدة جامعات عالمية وعربية .
نال عدة أوسمة وميداليات تقديراً لأعماله ومساهماته العلمية، وعضو ومؤسس في عدة جامعات ومعاهد.
 
بعض الآراء
  عفيف البهنسي باسم شعبك وباسم الحكومة العربية السورية، شكراً لك لأنك دفعت لبلدك وأخلصت، وكنت ومازلت مثالاً يحتذى به
وزير الثقافة رياض نعسان آغا

البهنسي فيلسوف جمالي
  من أصعب ما يعاني منه الباحث المدقق أن يكتب عن بعض الشخصيات المبدعة التي يعرفها أو التي يقرأ لها.. ويعد الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي المولود بحي الشهداء في دمشق (17/4/1928م) من تلك الشخصيات المدهشة التي تضعك في صميم الحيرة والقلق العظيم، إذ تأخذك إلى أطياف شتى لا تدري كيف تتأملها، أو كيف تلتقط ملامح الجمال فيها؟
الدكتور حسين جمعة رئيس إتحاد الكتاب العرب

  عفيف البهنسي ما يزال يسطر الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن والإبداع
د. حيدر يازجي رئيس إتحاد الفنانين التشكيليين

  الحديث عن الدكتور عفيف البهنسي يعني الحديث عن موسوعة متنقلة، فهو الباحث والأكاديمي والمؤرخ وعالم الآثار والأستاذ.
أ. محمد قجة رئيس جمعية العاديات في حلب

  أشكرك أيها المبدع المكرم باللهجة العربية الأكادية (بفرعيها البابلي والآشوري) وأقول لك:

أخي أتَ جُملانك ملك علي
أي : أخي أنت جميلك ملك علي حياتي

وأحييك بلهجة السيد المسيح العربية الآرامية وأقول:

بطوبا وسلام

أي: بطيبِ وسلام

د محمد بهجت قيسي - أستاذ التاريخ القديم واللهجات العروبية الأكادية والكنعانية والآرامية

في الآثار والمتاحف

الآثـــار والمتاحف


الآثار والمتاحف في عهد الدكتور عفيف البهنسي
محمد بشيرزهدي

أشكر السيد وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا على دعوته الكريمة للمشاركة في هذه الندوة التكريمية للباحث الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي الذي بدأت صداقتي معه منذ الطفولة في (روضة الأطفال)، واستمرت في المدرسة الابتدائية والإعدادية بل والجامعية والعمل في وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، وجمعية أصدقاء دمشق، فهو أقدم صديق وأعز أخ لي، أقدم إليه أجمل تحياتي الأخوية والأمنيات السعيدة.
عندما استلم الدكتور عفيف البهنسي منصبه الجديد مديراً عاماً للآثار والمتاحف شهدت هذه المديرية نشاطاً جديداً، وفعاليات مختلفة ومتميزة جعلتها من أهم مديريات الآثار في الوطن العربي، وموضع تقدير الجميع.
ومن أهم تلك المنجزات التي تحققت في المديرية العامة للآثار والمتاحف ما يلي:

 تأسيس دوائر الآثار في كل المحافظات:وكان المدير العام يدعو إلى مؤتمر سنوي يضم كل رؤساء دوائر الآثار في المحافظات والمديرين لمناقشة أوضاع الآثار والمتاحف وإعداد خطة عمل للسنة الجديدة، ومتابعتها.

 الاهتمام بالمتاحف ورفع مستواها وزيادة عددها في كل من المحافظات
إذ عندما احتفلت سورية بعيد الجلاء، لم يكن في سورية سوى خمسة متاحف هي: - المتحف الوطني بدمشق- متحف السويداء- متحف حلب - متحف التقاليد الشعبية في قصر العظم بدمشق - متحف طرطوس
وازداد عدد المتاحف بمبادرة وإشراف الدكتور البهنسي  حتى زاد عن الثلاثين متحفاً.
ويشرف الدكتور البهنسي حالياً على إحداث أضخم متحف هو متحف التاريخ العسكري.

 

 حماية المباني الأثرية والتاريخية وترميمها وتسجيلها:
في مجال الترميم والكشف عن الأوابد لا بد من ذكر أعمال الكشف عن جدران الجامع الأموي الكبير بدمشق وتسهيل الوصول إليه، وترميم قلعة جعبر وإعادة بناء أعمدة أفاميا وبناء أسوارها، وترميم آثار تدمر وبخاصة المسرح وترميم الخان العثماني فيها وجعله متحفاً وإخلاء خان المعرة وخان أفاميا وخان اللاذقية وجعلها متاحف
وقد عمد إلى توظيف هذه المباني في الميادين الثقافية وذلك للمحافظة عليها.

 مسح المواقع الأثرية وتسجيلها ومتابعة أعمال بعثات التنقيب:

 فتح الدكتور البهنسي الأبواب لمزيد من البعثات العالمية للتنقيب حتى بلغ عددها ما يزيد عن المئة تضم كل بعثة اختصاصيين وجامعيين بإشراف ممثل عن المديرية العامة.
ولعل أهم ما شغل الدكتور البهنسي في مجال التنقيب عن الآثار هو التحقيق في مضمون النقائش المسمارية على الرقم المكتشفة في إيبلا والتي أثارت جدلاً عالمياً بعد محاضرته في جامعة روما بحضور علماء الآثار الذين جاؤوا من جامعات إيطالية وفرنسية، وفيها عرض أهمية هذه الرقم وما تؤكده من وجود حضارة سورية موازية لحضارة الرافدين وحضارة الساحل السوري، ثم ما تمثله من لغة هي لهجة من أصول اللغة العربية .
 وأهم ما أبرزته هذه المدونات الملامح الواقعية والتاريخية الصحيحة للعهد القديم مما يخالف الروايات التوراتية الوهمية، ولقد تابع الدكتور البهنسي تشجيعه لإعادة كتابة التاريخ القديم على ضوء المكتشفات الأثرية التي قام بها علماء من جميع أنحاء العالم بما فيهم العلماء اليهود الذين أعلنوا عدم العثور على أي أثر لوجود دولة إسرائيل في تنقيبات واسعة أجروها في القدس وأريحا، وتابع نشر نتائج هذه الحقائق التي تكذب ادعاءات الصهاينة، في دوريات عربية مختلفة وفي كتابه (وثائق إيبلا).
ومن المشاريع التنقيبية الهامة،  إقلاع الحملة الدولية لإنقاذ الآثار المعرضة لغمر مياه نهر الفرات نتيجة بناء سد الفرات الذي شكل بحيرة طولها 110 كم والكشف عن عشرات المواقع الأثرية . وكانت حصيلة الكشوف الأثرية التي أسهمت فيها بعثات عالمية بدعم اليونسكو، قد عرضت خلال ندوة دولية أغنت معرفتنا بتاريخ وتراث سورية عبر قرون طويلة

مركز الوثائق التاريخية: حرص الدكتور عفيف البهنسي على إغناء مجموعاته الوثائقية  من سجلات المحاكم الشرعية والأوقاف , والصور التذكارية الضوئية وذلك بالحصول على صور تاريخية من ورثة المصورين مثل المصور (جورج درزي) وغيره....

الاهتمام بترميم الآثار: فقد تم ترميم عشرات الأبنية والمواقع الأثرية في جميع المحافظات.وأحدث مركزين لترميم الفسيفساء , في دمشق وفي إدلب .

الاهتمام بمعارض الآثار في اليابان وإيطاليا، وألمانيا وفرنسا، والنمسا وأمريكا..... ) وذلك بموجب اتفاقية رسمية تتضمن ضمان عودة الآثار إلى بلادنا سالمة.وتحمل تكاليفها وضمانها .
أدى النجاح الكبير الذي لقيه معرض الآثار السورية الذي أقيم في  سبع مدن كبرى في اليابان عام 1976 وما لاقاه من صدى إلى  إقامة معرض مماثل للآثار السورية في مدن ألمانية , وبتاريخ 3/3/1982 افتتح المعرض في قاعة قصر (شارلوتنبورغ) في برلين حيث تنقل المعرض بين خمس مدن ألمانية هي برلين- وآخن- وكوبنهغن- وفرانكفورت- وميونيخ- وانتهى عرضه في جمهورية ألمانيا الاتحادية في 24/7/1983، باسم (عشرة آلاف من الفن السوري) , لينتقل إلى فيينا عاصمة النمسا حيث افتتح في 13/2/1984 في مقر الكونستر هاوس باسم (أرض بعل) , ثم انتقل إلى مدينة لينز وانتهى في 15/7/1984، لينتقل إلى إيطاليا حيث افتتح في روما في 15/2/1985 في متحف الكابيتول باسم (من إيبلا إلى دمشق) وانتهى في 15/5/1985 ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية بمساعدة معهد سميثونيان , وافتتح في 16/ أيلول 1985 وعرض في متحف التاريخ الطبيعي بواشنطن، ثم انتقل إلى ولاية كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلس في 13/3/1986 وعرض بمتحف التاريخ الطبيعي واستمر عرضه حتى أوائل حزيران، و استمرهذا المعرض متنقلاً في الولايات المتحدة الأميركية طيلة عام 1986 وعام 1987.
وقد تم طبع دليل من 500 صفحة ملونة باللغة الألمانية والإيطالية والإنكليزية والعربية والفرنسية هي دراسات معمقة مختلفة عن المكتشفات التي حققها علماء من أنحاء العالم من قبل هذه الدول , تعريفاً بهذا المعرض الذي يعتبر أكبر تظاهرة ثقافية قامت بها المديرية العامة للآثار والمتاحف لتعريف العالم بحضارات القطر العربي السوري.
إعداد مؤتمرات وندوات دولية في مختلف المحافظات: اهتم الدكتور  البهنسي بإعداد مؤتمرات وندوات دولية مختلفة.. وإسهام عدد من الباحثين والمنقبين في إلقاء بحوث ودراسات متعلقة بالحضارات السورية، وذلك الموقع الأثري (مثل دير الزور، وإدلب، ودمشق، واللاذقية....)
توسيع مبنى المتحف الوطني بدمشق وبناء أجنحة جديدة ومكاتب وغيرها:
إن تطور أعمال المديرية العامة للآثار والمتاحف تطلب بناء أجنحة جديدة كما جعل مدخل المتحف الوطني بدمشق من واجهة قصر الحير الغربي
كما أشرف على تحسين مدخل المديرية باستعارة أعمدة وشرفات مبنى ثانوية الحلبوني.
 تكليف كبار الفنانين بإعداد لوحات متميزة ذات مواصفات تنسجم مع أهمية المتحف: فقد عهد إلى عدد من كبار الفنانين بإعداد هذه اللوحات الفنية.. ومن هؤلاء الفنانين:  لؤي الكيالي- و فاتح المدرس- و محمود حماد- و نصير شورى- و ممدوح قشلان- وأسعد عرابي- و سامي برهان- و نذير نبعه وغيرهم من الفنانين ا لسوريين المبدعين الذين أبدعوا لوحات فنية كبيرة ومتميزة بالجمال الفني والإبداع الأصيل عرضت في جناح الفن الحديث والمعاصر
كما كلف الفنان الأستاذ أحمد إبراهيم برسم لوحات فنية كبيرة لمتحف إدلب تبرز الفعاليات المختلفة التي تميزت بها مملكة إيبلا، كما طلب من أحد الفنانين نسخ تمثال أسد تدمر، لإضافته إلى معروضات حديقة المتحف الوطني بدمشق.
تأسيس اللجنة الدولية لحماية مدينة دمشق: وقد اجتمعت هذه اللجنة عدة مرات، وتبادل أعضاؤها الآراء المختلفة المتعلقة بمدينة دمشق وتطورها العمراني والمعماري، ووجوب المحافظة عليها للأجيال القادمة.
والجدير بالذكر أن الدكتور البهنسي أعد مرسوماً لتشكيل لجنتين في دمشق وحلب لحماية المدينتين التاريخيتين.
 إخلاء خان أسعد باشا العظم في سوق البزورية وترميمه وتوظيفه حضارياً وسياحياً: وكان هذا المبنى يشغله التجار، مما كان يحول دون الإفادة منه سياحياً وثقافياً، ، فكان لا بد من استملاكه وإخلائه من شاغليه والقيام بترميمه وتوظيفه ثقافياً وسياحياً فبذل في سبيل ذلك جهداً كبيراً وأصبح المبنى ظاهراً للجميع بجماله المعماري.
وأن الحفلات الموسيقية والمعارض الفنية التي أقيمت فيه جعلت الجميع يشعرون وكأنهم يكتشفون جمال عمارته المتميزة.
 إخلاء قلعة دمشق وترميمها وتوظيفها ثقافياً وسياحياً: تعد قلعة دمشق بموقعها وأبراجها من أجمل مباني دمشق، وتبدو وكأنها تتحدث بصوت الصمت ولغة الفن الخالد عن تاريخ عمارتها منذ عهد (تاج الدولة تتش)  والملك العادل أبي بكر، والظاهر بيبرس وقلاوون وغيرهم... واستخدامها في العصر العثماني كثكنة عسكرية وسجن، واستمر ذلك في فترة الانتداب, وتولى البهنسي إخلاء القلعة، وجرت فيها أعمال التنقيب والترميم، وإعادة بناء البرج الكبير قرب مدخل سوق الحميدية.
 ترشيح عدد من كبار الباحثين لتكريمهم رسمياً ومنحهم أوسمة الاستحقاق
رشح ثلاثة من هؤلاء الباحثين المتميزين وهم: الأستاذ الشيخ محمد أحمد دهمان، الأستاذ خالد معاذ، الأستاذ عمر رضا كحالة.
كما قام بترشيح ثلاثة من العاملين الناجحين لمنحهم وسام الاستحقاق , وهم السادة كامل شحادة وسليمان مقداد وغالب عامر. وكان قد رشح في مجال الخط العربي الخطاط بدوي الديراني والخطاط حلمي حباب, لمنحهم هذا الوسام . 

العمارة والمعاصرة والانتماء في دراسات الباحث الدكتور عفيف البهنسي
المهندس المعمار وليد السيروان

  لعل من أدهى الدواهي، وأجلها وأدقها وأعظمها، أن تقف أمام  بحر متلاطم من لجج العلم كيما تقدم شهادة وأنت تقف على الشاطئ.. فإذا ما غمرتك أمواجه وفاض عليك بدره، وغصت في عمق أجاجه تبحث عن اللؤلؤ المكنون، رأيت عجباً وتنوعاً يجعلك تعب وأنت الظامئ لا تدري كم من الزمن يحول عليك  وأنت ما ذلت الشاطئ...    
               هو البحر في أعماقه الدر كامن      فهل سألوا الغواص عن صدفاته
          
    ذلكم هو العالم الدكتور عفيف البهنسي الذي نحتفي به اليوم مكرماً، ولا ندري كيف نكرمه اليوم وقد مد بساطاً من المعرفة مديداً كرمنا به على مدى ما ينوف عن نصف قرن وأكثر...       
   لن أتناول  عالمنا الجليل بحديثي عن تعدد معارفه وتلونها و إضرابها وإنما أنا رجل معماري لا أستطيع الولوج إلى عالمه التاريخي والأثري والفلسفي، وإنما سأكتفي بما قدمه في الجانب الجمالي المعرفي لشؤون العمارة.. فرغم مؤلفاته التي لا تعد والتي أغنى بها المكتبة العربية خلال أربعين عاماً، فقد ترك لنا معاجم هي من الندرة أغنت المعماري والباحث وفتحت بصيرته للإحساس بمعالم الإدراك إلى سبرغور النفس. لقد قدم لنا موسوعة تاريخ الفن والعمارة من خلال دار الشرق للتأليف والنشر , فأسهم بعدد من الأبحاث الموسعة وكذلك في الموسوعة العربية بدمشق، وقدم لنا معجم العمارة والفن بالعربية والإفرنسية، وبالعربيـة والإنكـليزية، و معجم مصطلحات الفنـون ثلاثي اللغـات , و من خلال رؤيته في كتبه التي تناولت أبحاثه المعمارية رأيناه محللاً ثاقب النظر وكالطود الشامخ يرفدنـا كالوابـل بالمعـلومة الواضحة التـي تـنم عن غور عميق.
                                                      
   لقد وصف لنا بحسه السليم مشاكل العمارة الحديثة، فإذا به ينظر نظرة شاملة إلى  المدينة التي تعرضت منذ بداية القرن العشرين للتغيير والتبديل والتشويه، فمنذ ابتدأت الوسائل العصرية بالظهور وأبرزها ظهور السيارة يراها عالمنا الجليل الدكتور عفيف البهنسي وقد فرضت شروطها على تكوين المدينة، فإذا هي تحتاج للشوارع العريضة والساحات والمرائب والجسور المعلقة فتحولت المدينة من أزقة وحارات ضيقة يتقابل فيها الجيران والسكان إلى غربة موحشة وضجيج وصخب. لقد كانت المدينة مجموعة من الحارات ذات الأبواب يحيطها سور قديم له أبراج تعلوه شرفات. وبفضل السيارة تغير وتبدل كل ذلك، إنه التغيير والتحول في تكوين المدينة الذي امتد إلى تغيير الطابع المعماري ففرض الشارع العريض على المباني أن تهجر خصائصها,  من باب صغير ينفتح على دهليز طويل إلى فسحة سماوية مركزية تنفتح عليها الأبواب والنوافذ . وفي خارج المبنى تزول الأخصاص المطلة من فتحات عالية  ,إلى شروط جديدة جعلت العناية تتجه إلى المظهر الخارجي بدل الداخل . وانتقل الهم المعماري من خدمة الساكن الذي كان يسعى إلى خلق فردوسه الخاص في مسكن بعيد عن العالم الخارجي بمشاكله وضجيجه وتلوثه، إلى خدمة الشارع والمدينة التي وضع مخططها مهندس المدينة وليس مهندس البيت، وأصبح المهندس العمراني بدل المعماري هو المعلم الأول لعمارة المباني، يضع حدودها وشروطها ووجائبها وارتفاعها وإطلالاتها, وأصبح قراره من الثوابت التي تحميها الأنظمة البلدية التي تفرضها على المهندس المعماري. ولم يبق للمهندس المعماري أمام هذا التحول العمراني إلا ابتكار الواجهات الخارجية التي تتلاءم مع النظام العمراني. وهذا ما أدى إلى تغيير البنية الاجتماعية فلم يعد المبنى ملكاً لساكنه بل أصبح تابعاً لنظام المدينة وشروطها، ولم يعد ملاذاً وموئلاً وفردوساً، بل أصبح سقفاً دون حواجز تحميه من المدينة , أو لعله شرفة تطل على الشارع يتمتع بها الساكن بهواء عوادم السيارات وتقلبات الجو القاهرة، بعد أن كان يتمتع بهدوء صحن داره القديم وبنقـاءهوائـه واعتدال مناخـه وجمال زخـرفته وعبق أزهـاره ووروده وخريـر مياه بركته وسلسبيله        
   لقد قدم لنا الدكـتور العالـم عفيف البهنسي قراءة في وجـدان الأمـة ووجدان كل حر يحب ويعشـق الحرية.. إذ لايمكن أن يتمتع العربي ببيت يفتقد فيه كل عناصر الحرية وهو الذي بفطرته يحب الجمال ويعشق الحرية , وما بيت ميسون بنت بحدل الكلابية الشامية عنا ببعيد وهي التي تقول :                                    :
     لبيت تخفق الأرياح فيه                  أحب إلي من قصر منيف        
إن المسؤولية كل المسؤولية تقع على عاتق المعاهد والجامعات المختصة، ومن المؤسف أن هذه المؤسسات التعليمية ظهرت متأخرة، ومع ذلك فإن مناهجها لم تكن كافية لإعداد الإنسان المعمار العربي، بل كانت مناهج تطبيقية لأساليب أكاديمية غربية.
ذلكم هو الواقع الذي فرض علينا من خلال التطور ,وقد صوره عالمنا الجليل بدقة وموضوعية ثم دعا في كتبه لتأهيل الإنسان والمجتمع وتعميم الثقافة وتوحيد أواصرها وتحديثها لتتجانس مع العصر, و إلى توضيح السمات المميزة لذاتية الثقافة العربية المتمثلة بالتراث المعماري المنتشر في جميع أنحاء الأرض التي انتشر فيها العرب. كما دعا إلى ضرورة العناية والحفاظ على الطابع المعماري العربي، الذي ما زال في دمشق وتونس ومراكش وفاس والمدن القديمة التي توسعت إلى جانبها مدن حديثة، ووجه إلى ضرورة التحديث في العمارة مع حماية المدن القديمة . ورأى أن ربط الحداثة بالتقاليد المعمارية الأصيلة هو مطلب معماري قومي. وإن مسألة توفيق شكل البناء الحديث مع الوظائف التقليدية، هي من أبرز إشكاليات الحداثة في المدن العربية والإسلامية. كما رأى أن إصلاح الواقع المعماري لا بد أن يتجه إلى تطوير الأسس التنظيمية المعمارية وقدم لذلك نظريتين هما غاية في الأهمية. ومن أهم ما تناوله في أبحاثه هو الاغتراب المعماري وسماه بالتلوث في البيئة العمرانية العربية، ووجه إلى ضرورة العودة للموروث والتزود منه للاندفاع و للتطور على أساس سليم. فالانتماء إلى التراث هو بطاقة الجنسية و هوالكيان العضوي والثقافي الذي يكون الحـضارة, ولابد من التقدم والإبداع ضمن حدود الأصالة حتـى يســتمر التعامل مـع  الآخـر بنـديـة  وكرامـة.                  
                                                                                        وإذاكـان البـحث عـن ذخائر التراث هو أفضل الطرق لاستخلاص إمكانات العمارة العربية للمشاركة في تكوين عمارة المستقبل, فإن التراث المعـماري كامن حولنـا بل نعيـش ، إلا أننا لم نستطع بعد تحديد إمكاناتـه الجماليـة والإنسانية مع أننا نقبل عليه بلهفة واحترام ونشعر بالتعاطف العميق معه. ونحن ندرك أن هذا التراث قابل للاستمرار مستقبلاً، وبالرغم من ذلك فإننا وإلى الآن لم نستطع التعرف على مكامن الأبدية في هذا التراث الذي حافظ على الروح المعبرة عن الفكر العربي التوحيدي السرمدي... 
                                                             
إن قراءة بسيطة موجزة في فكر العالم الجمالي المعماري الدكتور عفيف البهنسي  يضعنا أمام إنسان غيور على تراث أمته وثقافتها وحضارتها.. كيف لا وهو العالم الأثري الذي حفر في أعماق تاريخها الطويل خلال عشرين عاماً , ليكتشف ذرات وجينات أمته الحضارية...                                                                       
إنني أقف خجولاً أمام هذا العلم الشامخ و سيبقى ما قدم وأعطى العلم الذي ينتفع به مأثرةً من مآثره على مدى التاريخ... أطال الله في عمره ونفعنا بعلمه وأدام عليه صحته ليعطي كل يوم من زهره الفواح.

تاريخ الفن والعمارة في دراسات الباحث الدكتور عفيف البهنسي
المهندسة المعمار : ريم عبد الغني

   قدمت الحضارة العربية الإسلامية عبر عهودها المتعددة إنجازات هامة، في شتى مجالات المعارف والآداب والعلوم والعمارة و الفنون .
و قد تميزت الفنون التي أبدعتها هذه الحضارة -والعمارة جزء هام منها - عن سائر فنون الحضارات الأخرى بتكويناتها وخطوطها وأشكالها وألوانها ، وما عكسته من مضامين تحمل في ثناياها قيماً جمالية وروحية سامية، تعبر عن مستوى رفيع في التصميم ، و دقة تبهر الأبصار والألباب في التنفيذ.
و رغم  تناول العديد من الباحثين والمستشرقين لهذه الفنون بالدراسة والتحليل،غير أن قلة منهم تمكنت من سبر أغوارها وتفهم  محتواها،و لعل من  أبرزهم الباحث الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي  ، الذي لم تقتصر مسيرته الثقافية الغنية بالعطاء على توثيق ودراسة العمارة والفنون في الحضارة الإسلامية وأثرها على العمارة والفنون المعاصرة فحسب ، بل تناولت أيضا العمارة والفنون في العالم وعبر التاريخ .
و قد خص باحثنا تاريخ العمارة والفنون في سورية باهتمام خاص في أبحاث ومؤلفات كان أولها كتابه ( الفنون التشكيلية في سورية ) الصادر عن وزارة الثقافة عام 1960 م ، وكان أبرزها موسوعته عن (سورية التاريخ والحضارة ) في ثمانية مجلدات , و استفاض بالدراسة حول مدينته التي أحبها وأحبته دمشق، فنونها وتراثها المعماري وجامعها الأموي الكبير،في مؤلفات هامة ترجم معظمها إلى لغات عديدة ،و للدكتور البهنسي الذي سعى إلى حماية تراث دمشق المعماري والعمراني الحضاري ،الفضل في تسجيلها على لائحة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو ابان عمله مديراً عاما للآثار والمتاحف .
لقد أغنى الدكتور البهنسي المكتبات بالمؤلفات والمعاجم والموسوعات في تاريخ العمارة والفنون باللغات العربية والعالمية ،مما سيبقى مراجع قيمة وهامة في هذه المجالات :في   قضايا الفن قديماً وحديثاً ،رواده و النقد الفني،عن الشام و قصورها الأموية و جامعها الأموي, عن عمران ايبلا وعمران الفيحاء،و الخط والزخرفة والخزف , و جامع صنعاء الكبير ومعاجم ,المصطلحات ،و تناول في العديد منها قضايا الهوية والأصالة و المعاصرة.
ومؤلفاته التي تمت ترجمة العديد منها إلى الإنكليزية والفرنسية ،تعتبر مراجع هامة في تاريخ العمارة والفنون ، وسنحاول فيما يلي -في حدود الوقت المتاح -أن نستعرض ثلاثا منها وهي :
الفن الإسلامي – موسوعة التراث المعماري – عمران الفيحاء
الفن الإسلامي:
صدر عن دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر عام 1986 م ، ويقول الباحث الدكتور عفيف البهنسي في مقدمة هذا الكتاب الذي يقع في حوالي ستمائة صفحة :
( الفن صيغة الحضارة الأولى وإذا كان لابد من الحديث عن حضارة واحدة انتشرت موحدة متنوعة في ديار الإسلام فإن ما يسمى بالفنون الإسلامية هو هذه الصيغة الحضارية الإبداعية التي تنتسب إلى تلك العقيدة الواضحة فكرا وتطبيقا والتي تجلت مكتوبة أو ممارسة ، واستمرت متنامية دون أن تخرج عن أساسها العقائدي وفلسفتها الواسعة التي لم تصل فلسفة أخرى إلى حدود اتساعها وانتشارها ) .
ثم يتابع د بهنسي في مكان آخر من المقدمة:( وهكذا تشكلت شخصية معمارية وفنية جديدة ترعرت في رحاب المسجد أولا ، ثم لم تلبث أن انتشرت في جميع الأشكال الإبداعية كالخط والرقش والتصوير ... وفي جميع الأشكال المعمارية كالمدرسة والقصر والرباط والمشفى والخان .... الخ ) .
يحتوي هذا المرجع الهام على عشرة فصول وأربع ملاحق:
نقرأ في الفصل الأول عن الفن العربي قبل الإسلام ،و تكون الفن الإسلامي وتحولاته عبر العهود الإسلامية المتعاقبة ،ثم انتقاله إلى الخارج من خلال حروب الفرنجة أو عن طريق إسبانيا  وعبر التجار .
ويتناول في الفصل الثاني فلسفة الفن الإسلامي وشخصيته، المتمثلة في أشكال مجردة نباتية أو هندسية أطلق عليها اسم الرقش العربي ( الأرابيسك ).
واسمعوا  رأيه في مفهوم المنظور في الفن الإسلامي حين  يقول: ( وهكذا فإن الأشياء والمشاهد ترى من خلال عين الله المطلقة التي لا تحدها زاوية بصر ضيقة ، على عكس المفهوم الغربي الذي يجعل الأشياء والمشاهد مرئية من خلال عين الإنسان ، وشتان بين رمزية شاملة ورؤية ضيقة، بين رؤية الله تعالى ، ورؤية الإنسان ) .
و في مكان آخر يذكر: ( إن الفنان يعمد إلى تأكيد عجزه عن المضاهاة بخلق الله تعالى بتحريف الأشكال والوجوه ، بل بتحريف الفضاء الحسي عند تصوير العمق أو البعد الثالث .. ) .
أما في الفصل الثالث فينتقل إلى موضوع تكوين المدينة العربية والإسلامية والعوامل المؤثرة في ذلك .. ليركز بعد ذلك على المساجد الأولى في الإسلام .. ثم يتناول في الفصل الخامس المساجد في البلاد العربية في العهود العباسية والفاطمية والمملوكية .
ثم  المساجد في إيران والهند .. والمساجد العثمانية في تركيا وسورية ومصر و المغرب العربي .
و ينتقل في  الفصل السابع إلى العمارة الإسلامية المدنية والعسكرية (مع التركيز عليها في سورية ) من قصور وقلاع ومدارس وخانات وحمامات .. الخ .
و يتناول في الفصل الثامن فن التصوير الفسيفسائي و الرسوم الجدارية والنحت والترقين وفن المنمنمات .
أما في الفصلين الأخيرين فيدرس  الرقش العربي ومدى تأثره بالثقافات السابقة لظهور الإسلام .. والزخرفة الخزفية .. وكذلك الخط العربي بأنواعه وأشكاله، و الفنون التطبيقية في الصناعات المعدنية كالسيوف والأواني والنقود  وفي الخزف كالأواني والكؤوس والمزهريات .. وفي النسيج والبسط والسجاد .. وكذلك في الصناعات الخشبية .
يعتبر هذا الكتاب مرجعا هاما للباحثين في فنون الحضارة الإسلامية إذ يتناولها بالتعريف والتوثيق والبحث والتحليل من خلال أمثلة متعددة ،أضفت الصور الملونة المرفقة عليها مزيدا من الحيوية والألق والوضوح .
موسوعةالتراث المعماري
و قد صدرت عن دار الشرق بدمشق عام 2004 م ،وتحتوي هذه الموسوعة على مسح شامل لما يزيد عن الألف آبده معمارية أقيمت على أراضي العالم الإسلامي ، وتتألف من مجلدين :
المجلد الأول : ويضم المعالم التي تبدأ بالحرف أ – ش .
وقد بين الباحث في مقدمته الأسس التي استند إليها المعمار المسلم في تصميم  هذه المعالم تبعاً لوظيفتها .. والتبدل الذي طرأ على بعضها عبر العهود الإسلامية المتعاقبة . وبين أنها جميعاً : ( تنطلق أساساً من المقياس الإنساني لتحقيق علاقة عضوية بين الجزء والكل في الأبعاد والفراغات والألوان .. منطلقا دائماً من الحاجة الإنسانية للعمارة والتي ينظمها فيما بعد المقياس الهندسي وليس العكس ) .
ويستطرد الباحث ليخلص إلى أنه : ( إذا لم يكن هذا المقياس محدداً في آية أو حديث شريف .. فهو محدد في مفهوم الإسلام الذي ينظم علاقة المرء بخالقه وبالكون وبالآخرين).
المجلد الثاني: ويضم معالم التراث المعماري من الحرف ص – ي 
يعتمد تأليف هذه الموسوعة على الأبحاث الأثرية التي تناولت هذا التراث و الدراسات الجمالية والهندسية التي مهدت لإنشائه .
وتتميز هذه الموسوعة التي تقع في ستمائة صفحة من القياس الكبير بطريقة عرضها المعجمي ،الذي يسهل الرجوع إلى أي آبدة معمارية بصورة مباشرة . حيث يمكن التعرف على موقعها وتاريخها .. وتكوينها المعماري .. ومميزاتها الفنية .. وأهم الأحداث التي شهدتها ..
كما تضمنت الموسوعة العناصر والمفردات المعمارية الهامة في التراث المعماري كالقباب والمآذن والمحاريب والمقرنصات ... تاريخها وتطورها .
وقد أرفقت أكثر مواد هذا المرجع الهام في تراث الحضارة العربية الإسلامية ،بمخططات وصور حديثة زادتها وضوحاً و جاذبية . 
الكتاب  الثالث  :  عمران الفيحاء :دراسة في تكون مدينة دمشق
صدر عن دار الفكر بدمشق في العام 2002 م .
يحتوي الكتاب في مقدمة واثنا عشر فصلا ًعلى دراسة تحليلية موسعة موثقة عن تكون مدينة دمشق وتطورها عبر التاريخ .. وكذلك واقعها وآفاقها المستقبلية. ويرى الباحث أن أقدم ذكر لدمشق ورد في وثائق إيبلا باسم ( دامسكي ) التي تعود إلى العام 2220 ق. م . و يذكر : ( أن دمشق التي أضحت مملكة قوية أيام الآراميين كانت تحمل منذ البداية خصائص العمران العربي الأصيل .. ) وهذا يعتبر رداً على آراء العديد من المستشرقين الذين زعموا أن تخطيط دمشق الشطرنجي يعود إلى الفترة الهلينستية ،رغم أن التنقيبات الأثرية أكدت أن هذا النمط من التخطيط المديني معروف في حضارات الشرق القديم قبل الفترة الهلينستية بمئات السنين .
ثم يتحدث الباحث عن تطور المدينة في ظل الحضارات الكلاسيكية والعربية الإسلامية بعهودها المتتالية ،و العوامل الأساسية لتكون مدينة دمشق ووصف المؤرخين والرحالة لها كابن جبير وابن بطوطة ، وكذلك أهم معالمها الأثرية والتاريخية .
ويركزعلى ساحة المرجة ( الشهداء ) المركز الذي يتوسط بين دمشق القديمة والأحياء الجديدة خارج الأسوار .
يخصص الباحث الفصل السادس بأكمله للجامع الأموي الكبير ومحيطة العمراني .. وتكوينه المعماري وعناصره وإبداعاته الفنية ولاسيما كسوته الرخامية والخزفية والفسيفسائية ... والترميمات التي أدخلت عليه بعد الحرائق التي تعرض لها .
ثم يتناول المعالم الأثرية والتاريخية  في دمشق بعد الأمويين .. أبوابها وقلعتها ومدارسها وأسواقها وخاناتها و قصورها .. وقاعاتها الشامية .
قبل أن ينتقل للحديث عن هموم المدينة القديمة، والتغيرات الديموغرافية فيها ،والإشكالات التي تعاني منها  وما سببته التدخلات العمرانية الحديثة غير الواعية في نسيجها العمراني التقليدي .. وكذلك الآثار السلبية الناجمة عن دخول السيارات إلى حاراتها وأزقتها .
يؤكد الدكتور البهنسي  في هذا الكتاب  على أهمية حماية المدينة القديمة بالاستفادة من تجارب بعض البلاد العربية ،مقترحاً إجراءات عاجلة لوقف التدهور الحاصل، ريثما يتم إنجاز دراسة متكاملة تؤمن-كما يقول حرفياً- ( التوازن بين أصالة الماضي وإرادة التقدم والمعاصرة ).
و في إطار دمشق المعاصرة وتطورها  والتحديات التي تواجهها و قصور تخطيطها العمراني .. يقدم اقتراحات لوضع أسس ومخطط تنظيمي جديد في عصر الدولة الإلكترونية، يعتمد أساسا على الحفاظ على التراث العمراني الحضاري للمدينة مع تخفيف الضغوط التي يتعرض لها من خلال الاهتمام بالتجمعات العمرانية المحيطة بها .
و في ملاحق الكتاب مخططات وجداول وصور لمواقع أهم المعالم الأثرية والتاريخية في المدينة.
يحتوي هذا الكتاب على معلومات هامة جدا تناولت مواضيع متعددة تتصف بالتكامل والشمولية بحيث يصلح كل منها موضوعا لكتاب مستقل .
لقد قدم الباحث الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي من خلال مؤلفاته الهامة العديدة والمتنوعة مراجع هامة تشكل خدمات جلىّ للباحثين .. و مكتبة متكاملة في تاريخ العمارة والفنون في العالم ولاسيما ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية من روائع فنية في هذه المجالات.
ولا يفوتنا أن نشيد أيضاً بأهمية المعاجم التي أعدها وأصدرها، والتي حددت بدقة كبيرة المعاني والمصطلحات الفنية للعناصر والمفردات المتعلقة بالعمارة والفنون باللغة العربية، و ما يقابلها باللغتين الإنكليزية والفرنسية .

ختاماً نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لوزارة الثقافة لإقامتها هذه الندوة النقدية التكريمية للباحث المبدع الدكتور عفيف البهنسي .. و خالص تقديرنا لكل من شارك فيها .. و أصدق تمنياتنا الطيبة لأستاذنا الدكتور عفيف البهنسي بموفور الصحة و دوام العطاء0
الفن والعمارة في مؤلفات البهنسي
سعد القاسم

يبدوالحديث التفصيلي عن مؤلفات الدكتور عفيف بهنسي في هذا الحيز الصغير أمراً غير واقعي حتى لو اقتصر على موضوع واحد من مؤلفاته، فكيف إذا كان موضوع تاريخ الفن والعمارة يحتل القسم الأعظم منها، فمن بين السبعين كتاباً التي أصدرها الدكتور بهنسي، حتى الآن، يشغل موضوع الفن والعمارة نحو أربعة وخمسين كتاباً، فيما لايغيب فعلياً عن باقي الكتب بما في ذلك المعاجم، وكتب الآثار والفلسفة الجمالية بطبيعة الحال.
إلى ذلك فإنه من غير المبرر أيضاً الحديث عن تلك المؤلفات بمعزل عن مساهمات الدكتور بهنسي المتعددة والبالغة الأهمية، سواء بصفته أول مدير للفنون التشكيلية والتطبيقية في الاقليم السوري من الجمهورية العربية المتحدة ودوره الأساسي في تأسيس المديرية ومن ثم كلية الفنون الجميلة، ومراكز الفنون التشكيلية والتطبيقية، فنقابة الفنون الجميلة وقد كان أيضاً أول نقيب لها، ثم عمله لسنوات مديدة كمدير عام للآثار والمتاحف، وعلى امتداد ذلك التاريخ المهني الطويل قيامه بتدريس مادة تاريخ الفن والعمارة لطلاب الجامعة مما جعل اسمه الاسم الأول في هذا المجال، و إنتاجه أول ما يتبادر إلى الذاكرة حين الحديث عن الفن التشكيلي، ومساهمة العرب والمسلمين فيه خاصة.
ففي عام 1960 أصدرت له وزارة الثقافة والإرشاد القومي للاقليم السوري كتاباً يعد رغم صغر حجمه مرجعاً توثيقياً هاماً، ومحاولة مبكرة لتأريخ الفن التشكيلي المعاصر في سورية، فالكتاب الذي حمل عنوان (الفنون التشكيلية في الاقليم السوري 1900 ـ 1960) مثّل إحدى أولى المحاولات (إن لم نقل المحاولة الأولى) لتوثيق الفن التشكيلي السوري على أساس تصنيف المدارس والاتجاهات والتيارات الفنية، وهو إلى جانب ذلك كان أشبه بدليل توثيقي للمعرض السنوي الذي أقيم للمرة الأولى عام 1950 حيث تضمن جداول تفصيلية بأسماء الفنانين المشاركين بالدورات العشر للمعرض التي أقيمت إلى حين صدور الكتاب، وصوراً لبعض أهم المشاركين وأعمالهم مع تعريف بهم وباتجاهاتهم.


 كان هذا الكتاب باكورة سلسلة من الكتب التي عنيت بتعريف القارىء العربي بتاريخ الفن، في سورية أولاً، ثم في العالم وخاصة في أوربا حيث تأثر التشكيليون السوريون بالتجارب والاتجاهات التي ظهرت فيها، وفي مرحلة تالية بتجارب الفنانين العرب في بلدانهم العديدة، وعقد مقارنات بين أساليبهم واتجاهاتهم سواء التي تلتقي عند محاولات التأصيل والربط بالتراث، أو عند التأثر بالتيارات الفنية العالمية، وكان أمراً منطقياً أن يتجه الدكتور البهنسي بعد كتابه عن التشكيل السوري المعاصر إلى تسليط الضوء على اتجاهات الفنون التشكيلية المعاصرة في البلاد العربية بتكليف من منظمة اليونسكو ، ذلك أنه بتصنيف تجارب التشكيليين السوريين والعرب على أساس المدارس والاتجاهات والتيارات (كما ورد قبل قليل) وجد نفسه معنياً بالتعريف بمصادر الفن العالمي فكان أن أصدر في العام ذاته كتاب الفن عبر التاريخ  ,ثم كتاب قضايا الفن عام 1962، وفي عام 1962 أيضاً أصدر كتاب اتجاهات الفنون التشكيلية المعاصرة، ليعود في عام 1964 ليصدر ، وبعد ذلك بسنتين أصدر كتاب تاريخ الفن في العالم، ومن ثم وفي عام 1971 كتابه الأشهر تاريخ الفن والعمارة الذي ظل معتمداً ككتاب دراسي منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا في كثير من الكليات الجامعية والمعاهد الفنية، ولا يكتسب هذا الكتاب أهميته من سعة انتشاره فحسب، وإنما من ماهيته بالدرجة الأولى، وأثره الكبير كمصدر أساسي لمعرفة تاريخ الفن بالنسبة لعدد كبير من دارسي الفنون وخريجي كليات الفنون والعمارة، فالكتاب الذي قام على محورين تاريخي وجغرافي , تناول بإيجاز غير مبتور تاريخ تطور الفن التشكيلي في العالم بدءاً من رسومات الإنسان البدائي على جدران الكهوف، وصولاً إلى مشارف فن ما بعد الحداثة، كما تناول تاريخ الفن في معظم مناطق العالم الحضرية , فجاء في المحصلة كصورة بانورامية شاملة عن الفن العالمي، مع حرص واضح على ربط تطور هذا الفن بالعمارة بحكم كونها حاضنة الفنون جميعاً، ولبيان التأثير المتبادل ما بين تطور العمارة وتطور الفنون التشكيلية والتطبيقية، بما يلقي الكثير من الضوء على الميزات الفنية والمعمارية بآن واحد في أمكنة وأزمنة محددة بدقة.
وفي اتجاه التعريف بنتاجات التشكيليين العرب المعاصرين كان كتابه الصادر في تونس عام 1979 بمساهمة اليونسكو والذي حمل عنوان (الفن الحديث في البلاد العربية)، وهو يمثل أول بحث عربي في هذا الاتجاه، تلاه عام 1984 كتابه (رواد الفن في البلاد العربية).
قادت أبحاث الدكتور بهنسي في تاريخ الفن العالمي والتيارات والاتجاهات الحديثة فيه، ليس إلى تسليط الضوء على تأثير هذه التيارات على التشكيل العربي المعاصر فحسب كما ورد سابقاً، وإنما أيضاً لاكتشاف تأثير الفن العربي والإسلامي في فنون الغرب عامة، وفي اتجاهاتها المعاصرة على وجه الخصوص، مبتدئاً من رؤية الغرب للفن الإسلامي، فأصدر عام 1968 ترجمة واحد من أهم الكتب التي تناولت هذه الرؤية وهو كتاب (الفن الإسلامي) لجورج مارسيه الصادر في باريس عام 1962،  وفي عام 1983 أصدر كتاب (الفن والاستشراق) والذي أشار فيه صراحة إلى مواقع تأثير الفن العربي والإسلامي في نتاجات كبار الفنانين الأوربيين، وبعد ذلك بأربعة أعوام أصدر كتابه الهام (الفن الإسلامي) وفيه سلط الضوء على إبداعات الفنانين المسلمين في مجالات مجهولة للقارىء غير المختص كما هو الحال مع فن التصوير الإسلامي، وقدم في هذا الكتاب لأول مرة نظرية عالم الجمال الكسندر بابادوبولس حول مفهوم المنظور في الرسم الإسلامي، وفي العام 1987 ذاته أصدر كتاب (الفن الإسلامي) بأربع لغات بالاشتراك مع ميكيل روجرز ونورهان أتاسوي وقامت بطباعته دار فلاماريون الشهيرة بإشراف اليونسكو في باريس ولندن، لتتجه معظم أبحاثه بعد ذلك نحو جمالية الفن الإسلامي وأثرها في الحضارة العالمية.

الدكتور عفيف البهنسي الأثري والمؤرخ
الدكتور علي القيم معاون وزير الثقافة

 الدكتور عفيف البهنسي علامة بارزة ومضيئة في تاريخ البحث والكشف وعلوم الآثار والمتاحف والفن في سوريا والوطن العربي.. كان ومازال واعياً لرسالة أمتنا العربية  الحضارية، التي من أرض سورية نشرت الحرف والأبجدية والموسيقا، وطورت الابتكارات والإنجازات العلمية والفكرية والأدبية والإبداعية، وشعت بنورها في شتى أرجاء العالم القديم منذ مليون سنة خلت وحتى العهود العربية الإسلامية المتأخرة.
لقد كانت ومازالت أيامه غنية حافلة بالإنجازات والنتاجات التي تشهد عليها بقوة وجلاء تلك المجلدات الضخمة التي سطرتها بعلمية وبلغة إبداعية أنامله الكريمة، وتشهد عليها أيضاً الأوسمة والميداليات والشهادات التي حصل عليها من الدول والهيئات والجامعات والمؤسسات العلمية العالمية، وهذا ليس غريباً عن علم من أعلامنا الكبار، فقد كان مؤسس وأول نقيب للفنون الجميلة، وأول أستاذ لتاريخ الفن والعمارة في جامعة دمشق منذ عام 1959، وأول مدير للفنون الجميلة في سورية، ومدير الآثار والمتاحف في سورية لفترة زمنية قاربت العشرين عاماً، وقام بتأسيس العديد من المتاحف، ونشر له أكثر من /70/ كتاباً، بعضها ترجم إلى لغات أجنبية، نذكر منها: الفن عبر التاريخ- قضايا الفن- تاريخ الفن في العالم- الفن الإسلامي- الأسس النظرية للفن العربي- جمالية الفن العربي- دمشق الشام- الفنون القديمة- الفن والاستشراق- الخط العربي- وثائق إيبلا- الفن الإسلامي- العمارة عبر التاريخ- الجامع الأموي الكبير- معجم العمارة- عمران الفيحاء- سورية التاريخ والحضارة- موسوعة التراث المعماري وغيرها..
ولقد جاهد في كل الأعمال البحثية والعلمية وعمل على دراسة تطور الفن التشكيلي وتاريخ العمارة والآثار والمتاحف، محلياً وعالمياً، وكان داعياً في كتاباته لتطور المدارس الفنية والإبداعات الفكرية العالمية التي أنتجت هذه الفنون والحضارات، وكان دائم البحث والدراسة عن الإنسان العربي وفنونه وحضاراته التي عثر عليها في مئات المواقع والأوابد والصروح التي مازالت شاهدة على ذلك.

أكثر أعماله ومؤلفاته كانت تحمل صفة الموسوعية وصفة التحليل للأعمال الفنية والصروح الحضارية والتحف الأثرية، فهو يقدّم عنها رؤية بصرية ساحرة، فيها نبض الحياة، ودعوة إلى البحث عن الجمال والأصالة في التحفة والصورة واللوحة والعمارة والفكر والإبداع.. والأصول.
الدكتور عفيف البهنسي وعلم الآثار
د محمد بهجت قيسي

ذكرى وذكريات... كان أستاذي في مدرسة هنانو الابتدائية عام 1949، وكان أستاذي بالرسم الانطباعي الواقعي آنذاك.
في ذكريات عفيف البهنسي الكثير... منها العلمي، ومنها الأخلاقي، والإداري، والسياسي، والفنّي... كل ذلك من خلال مسيرته الحياتية من حي الشهداء بدمشق (الصالحية) مسقط رأسه ، ودار المعلمين ومدراس دمشق وجامعتها (الجامعة السورية آنذاك)، ثم باريز وسوربونها، فوزارة الثقافة، فالمديرية العامة للآثار (وهي بمسؤولياتها العلمية والإدارية والسياسية أكبر من الكثير من الوزارات)، إلى مكتبة الأسد مكان التكريم اليوم.
قد يتساءل سائل: ما دخل السياسة في التاريخ والآثار وعفيف البهنسي؟. نقول:
لقد كُتب التاريخ  القديم حسب الفكر التوراتي والفكر الإغريقي، وأحياناً نجد تناغماً بينهما. ولا يزال استغلال التاريخ والآثار همّ الصهيونية العالمية.
تحدّى عفيف البهنسي الفكر العربي (المتغرّب) حيث دعى البعض لعدم استغلال التاريخ للسياسة من باب الفن للفن. نعم هناك كُثُر أرادوا أن يقتاتوا، لكن عفيف البهنسي أَبَى على الصهيونية التي رفضت ذلك، وأثارت الصهيونية موضوع نقوش إبلا بأن هناك علاقة كبيرة بين وثائق إبلا المسمارية والتوراة والتي تزعّمها كلاًّ من الصحفي «روزن برغر» والأثري «جيوفاني بيتناتو» عام 1979.
نعم، في هذا النفق المظلم كان هناك قبسٌ وحيدٌ فريدٌ في الوطن العربي قام للدفاع والتصدي، نع هذا القبس الفريد كان عفيف البهنسي، قام حين كنا نيام، وتصدّى حين كان الخنوع للمستشرقين أمر سار. أخذ مدرسة المحاكمة العلمية وتصدى لها بكل موضوعية وعلمية، ويكفيك من مؤلفاتك يا دكتور عفيف فخراً هذا السِّفر الكبير المسمى (وثائق إبلا) الذي حمل عناوين كثيرة منها:
- الصهيونية العالمية ووثائق إبلا.
- استنتاجات صهيونية غريبة واتهامات.
- محاولات التأكيد على علاقة إبلا بالتوراة وبحضارة العهد القديم.
- ردود على التحريضات والاتهامات.
وقد عمل الدكتور عفيف البهنسي على إنشاء الهيئة الدولية لوثائق إبلا لإسكات الفكر الصهيوني حول إبلا وإلى الأبد.
نعم هذا حول التصدّي للفكر الصهيوني التوراتي الذي كُتِبَ فيه التاريخ القديم والذي كان له تأثير كبير على المسار السياسي والدولي.
أما حول التصدي للفكر الإغريقي، فيكفيه نقد المقولة الإغريقية أن النظام الشطرنجي (هيبودرامي) في بناء المدن هو نظام إغريقي، فحقق أن دمشق وهي أقدم من الحضارة الإغريقية بآلاف السنين بُنيت على النظام الشطرنجي، كما أن مدينة بابل في بدايات الألف الثانية قبل الميلاد بُنيت على النظام الشطرنجي، بينما الحضارة الإغريقية الفعلية لا ترقى إلى القرن السابع قبل الميلاد، وإذا بالغوا في وجودها البدائي فلا تتعدى القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
نعم إن التصدي للفكر التوراتي والفكر الإغريقي المجموع في مقولة:
أن التاريخ كُتب حسب الفكر التوراتي والفكر الإغريقي
كان عفيف البهنسي من الأوائل المبكرين الذين تصدوا لهذا الفكر بأسلوب علمي سليم.
وأخيراً، أشكرك أيها المبدع المكرم باللهجة العربية الأكادية (بفرعيها البابلي والآشوري) وأقول لك:
أخي أتَ جُملانك ملك علي
أي :    أخي أنت جميلك ملك علي حياتي
وأحييك بلهجة السيد المسيح العربية الآرامية وأقول:
بطوبا وسلام
أي:    بطيبِ وسلام

الدكتورعفيف البهنسي ودوره في الحفاظ على الشخصية الدمشقية في العمارة القديمة والحديثة
نزار نسيب القباني

     يتجول القارئ في مؤلفات الباحث عفيف البهنسي 0المتعددة الجوانب الأدبية والفنية والعلمية لتنفتح أمامه مغاليق المعرفة المعمارية العربية والإسلامية بتجلياتها الجمالية 00على صفحات كتبه نختار ما يتعلق بحضارة دمشق : ( القصور الأموية )و(الشام الحضارة ) و(دمشق الشام) و(الجامع الأموي) مبينا آفاق وحدتها الفنية في (جمالية الزخرفة العربية) و(ألواحها الخزفية) التي تودي بك إلى (مجاهل الأسماء في دمشق الفيحاء) وريفها على صفحات الحوليات الأثرية الصادرة في دمشق عن المديرية العامة للآثار والمتاحف, والتي أدارها الأستاذ البهنسي باقتدار حتى عام 1987 م 0

   بدعوة منه تنادت في عام 1977 م كوكبة من أصحاب الفكر والمعرفة لتأسيس جمعية أصدقاء دمشق ,
وكان من أهم أهداف الجمعية مؤازرة السلطات الأثرية والبلدية والوقفية والسياحية في حماية دمشق المدينة والغوطة وبردى وقاسيون والمواقع التاريخية فيها وآثارها, والمحافظة على طابعها, والعمل على تجميلها وتبني البحوث والدراسات التي تفيد في إحياء مدينة دمشق وتحقيق تاريخها,  والتعريف بها, وتخليد أعلامها وبناء أضرحة العظماء المدفونين فيها ( كما ورد في النظام الداخلي للجمعية )0
وقد أضفى الدكتور البهنسي بشخصيته العلمية والفنية على جمعية أصدقاء دمشق بهاء تاريخه العلمي وانتاجه لأكثر من سبعين مؤلفاً مرجعياً في الفن والعمارة
بعد هذه المقدمة , توقفت عند كتابه القيم ( عمران الفيحاء ) وفيه كانت  دمشق إحدى المدن العشرة الأكثر أهمية في العالم الروماني, ولعل أقدم ما نعرفه من تاريخ العمارة الرومانية في دمشق هو معبد جوبيتر وكنيسة حناينا التي لجأ إليه القديس بولس بعد فراره من مطاردة اليهود له0 وأجزاء السور تخترقه سبعة أبواب لكل باب اسم بحسب الكواكب السبعة00 وأطلق على أبوابها فيما بعد أسماء كيسان والباب الشرقي للمدينة والصغير والفرج والفراديس وتوما والسلام 0وقوس النصر, وهذه تقدم نماذج راقية في العصر الروماني0 وتم الكشف في العصر البيزنطي في منطقة الحريقة على بقايا قصر ذي أرضية فسيفسائية ورخامية ملونة0
وابتدأت منذ الفتح الإسلامي عام 636م سلسلة من المنشآت مرت بثلاث مراحل عليها بصمات العهد السلجوقي والمملوكي والعثماني0
ويشكل فن الزخرفة المعمارية الداخلية والخارجية فيه وجها من وجوه العمارة الدمشقية المتنوعة الأشكال والموحدة الهوية  والشخصية, وليكون لجمالياته الإبداعية في خصائصه الجوانية أصالة تطرد العمارة الداخلية (البهنسي ,2002 ص227-229).
تابع البهنسي كتابة أوراقه في التاريخ لعمران دمشق وأوابدها وقصورها ومعابدها وبيوتها من حيث انتهى جده الحسن بن احمد المهلبي البهنسي (توفي 380هـ - 990م) الذي ألف كتابا جغرافيا عن مدينة دمشق أهداه إلى الخليفة القاضي العزيز بالله ,وفيه:أما دمشق فإنها مدينة عادية أزلية وهي مدينة الشام العظمى وقصبة الجند,
وقالوا: هي من أحسن البلاد وأجلها موقعا سهلة جبلية ,وفي شمالها جبل عظيم هو جبل قاسيون 0
وقال: طول الغوطة ثلاثون ميلا وعرضها خمسة عشر ميلا ولاتكاد الشمس أن تصل إلى أرضها من كثرة الشجر, والمياه تخترق جميع هذه الغوطة فإنها مقسومة للمياه متوزعة للشرب (البهنسي 2002/ص71)
وبعد ان يورد الدكتور البهنسي وصفا لدمشق القديمة ومعالمها في الربوة وقاسيون وقبور الأنبياء والصحابة والصالحين ودور الشفاء والتعليم من خلال مشاهدات الرحالة والجغرافيين ومنهم ابن جبير وابن بطوطة
يعطف متعطرا بأخلاق الدمشقيين وآدابهم وعاداتهم, فأهل دمشق (أحسن الناس خلقا وخلقا وزيا)وأميلهم الى اللهو واللعب 0ويضيف ابن جبير: ومن عجب حال الصغير عندهم والكبير أنهم يمشون وأيديهم إلى الخلف قابضين بالواحدة على الأخرى0 وأهل التمييز يمشون الى البساتين , ولهم فيها قصور ومواضع طيبة , واما سائر الناس فإلى الميدان الأخضر  (البهنسي ,2002- ص85)
وبعد أن أصبحت دمشق عاصمة الدولة الأموية هفت لها قلوب الخلفاء لكونها جنة الدنيا كما أن أرضها مملوءة بشجر السرو والبنفسج والورود والخضار والثمار الطيبة المذاق00 وليس للزهر جمال على وجه الأرض كما هو عليه بدمشق (البهنسي ,2002/33-34) 0
انقسمت دمشق بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918 إلى مدينة قديمة ضمن الأسوار ومدينة حديثة تزداد التحاما وانتظاما خارج الأسوار, ويبلغ التناقض حده بين قسمي المدينة في أيامنا هذه ( البهنسي 2002 /35)
ويثبت البهنسي خطط دمشق الهندسية العمرانية ومواقع أحيائها وتطور شخصيتها ويسترسل في شرح مخططات أبنية دمشق العريقة . 0 ويوازن  البهنسي بين البيت الدمشقي الأصيل والبيت الدخيل الذي بتنا نأوي إليه بعد الحرب العالمية الثانية00 البيت الغربي المستورد الذي لا يحترم عاداتنا ولا يقدر تقاليدنا ولا ينسجم مع مناخ بلادنا ولا يشكل مرحلة من مراحل فن العمارة التقليدي الأصيل, ويسمي البهنسي شقق البناء الحديث بالمعلبات الطابقية, (البهنسي 2002/237).  عدا أن البيوت في دمشق القديمة أضحت موئلا للغرباء وأصحاب الصناعات والحرف والمستودعات التي شوه شاغلوها الأبنية واعتدوا على الزخارف الداخلية الرائعة على واجهاتها وجدرانها0

ويبين في كتابه  مواضع شبكات الطرق وتوزيع المياه على بيوتها وبساتينها ومساجدها ومدارسها ونواعيرها وحماماتها وخاناتها وطواحينها 0وإذ جاء ذكر النواعير في دمشق فلأنها ليست مقصورة على مدينة حماه فحسب
وللتدليل على ذلك اثبت البهنسي صورة ضوئية للناعورة التي تغذي جامع محيي الدين بن عربي من نهر يزيد
(البهنسي 2002 / ص35)
وفي ختام الحديث عن العمارة الحديثة خارج السور يلفت انتباه المطل على دمشق من قاسيون بناء صرح الشهيد المشيد عام 1993 الذي يعد من أكثر الصروح ارتباطا بالفن الإسلامي , فهو مؤلف من القبة والقوس وكلاهما من أسس العمارة الإسلامية, ولقد أراد الأستاذ الدكتور عفيف بهنسي الذي ساهم في تصميم هذا الصرح والإشراف على إنشائه أن يعبر بالقبة عن العناية السماوية التي تحنو على الشهيد وترعاه إلى جانب القوس رمز النصر 0
كما ساهم الأستاذ البهنسي في الإشراف على بناء بانوراما حرب تشرين التحريرية الذي جاء آية معمارية تعبر عن الاصالة العربية الإسلامية بثوب عمراني معاصر استلهم الخصائص المعمارية الدمشقية وهذا ما استجاب له مجموعة المعماريين الأجانب الذين صمموا بناء فندق الشيراتون في دمشق0
ويتحدث الدكتور البهنسي عن هموم المدينة وعن ازدياد عدد السكان في مدينة دمشق أدى إلى تراجع الخدمات وتزايد الاستجرار الكهربائي والإنفاق المائي وضعف مرافق الصرف الصحي , وضيق طرق المواصلات نتيجة ضغط المركبات وازدياد عددها بحيث باتت المدينة قاصرة عن استيعاب هذه الزيادة المطردة . وتواجه دمشق من آثار هذه المعطيات مشكلات التلوث المتعددة الأشكال خاصة الكيميائية منها ومتبقيات معامل دبغ الجلود التي تطرح في المجاري القديمة المستخدمة للري , مما يزيد في انتشار الأوبئة وتلويث مزارع الغوطة وثمارها ونباتاتها ( البهنسي 2002 ص267/268 )
ويضاف إلى ذلك تهديد الطابع التاريخي لمدينة دمشق نتيجة خطط و قرارات غير مدروسة يتم الاعتذار من نتائجها بعد فوات الأوان, نتيجة عدم المهارة والخبرة ونقص الدراسات أحيانا ونتيجة برامج وخطط يمكن أن يقال في مساءلتها .
0
ومما يرتئيه البهنسي من خطط وحلول لازبة الوجوب لمواجهة تحديات القرن الجديد في دمشق , ضرورة حل مسالة نمو الصناعة في المدينة الذي يتقدم فيها على حساب النمو المجتمعي0وأهمية توزيع الفعاليات المعاشية والإدارية في أنحاء المدينة حسب الحاجة والاختصاص الوظيفي  الخاص والعام للمؤسسات الرسمية للدولة المرتبطة حيويا بالمتطلبات التجارية والمالية والصناعية والزراعية والدبلوماسية 0
ويسهم هذا التطوير الإداري الإنمائي في تخفيض التضخم السكاني ومن تركزه في المدينة,ويرفع من مستوى الريف على أصعدة متعددة للحد من ترييف المدينة ومن الهجرة العشوائية إليها , ويحد من اتساع مناطق المخالفات السكنية التي  توازي مساحة المدينة الأصلية من وراء السور.  ويضيف الأستاذ البهنسي لحل مشكلة المواصلات المتفاقمة أهمية التخطيط الواعي المستوعب لخطوط النقل الداخلي, وتامين مبارك شاقولية للمركبات,
وإنشاء الجسور والعقد الطرقية العملية دون الاضطرار لاختراق مراكز المدينة, والاهتمام بالتخلص من النفايات البشرية والكيماوية من المنازل والمصانع والمشافي التي  تتجاوز بامكاناتها شبكة مجاري دمشق القديمة التي يصب بعضها في فروع نهر بردى
ويطرح الأستاذ البهنسي رؤاه الإصلاحية  في كتب أخرى  (الفن الحديث بين الهوية والتبعية ) وعن  (خطاب الاصالة في الفن والعمارة) وحتى عن (الحداثة إلى ما بعد الحداثة) . وهو الذي تابع أعمال وتوصيات مؤتمر اسطنبول عن الحفاظ على التراث المعماري والإسلامي, وكذلك مؤتمر المدينة المنورة عن العلاقة بين التراث الحضاري الإسلامي ونمو المدينة العربية

ويبقى من الإنسان الباحث الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي انه يحاول المساعدة على الحفاظ على تحديد جينات الشخصية الدمشقية في العمارة القديمة والحديثة وتجاوز جناية التبعية الغربية في نظام الأسرة التي تحول بعضها بفعل الوضع الاقتصادي العشوائي إلى الاستهلاك دون الإنتاج الايجابي, خاصة في الريف , والاتجاه إلى الربح والتجارة دون العلم ومتابعته , والى الرفاهية الرخيصة دون الجد والمسؤولية 0وتظل دمشق هاجس الدمشقي الدكتور عفيف البهنسي وهو الذي ساهم فعليا مع جمعية أصدقاء دمشق في الدعوة المستمرة لتطوير مدينة دمشق العريقة وحمايتها من عوادي الزمن والبشر0
عفيف البهنسي و مدينة دمشق
هاجر صادق

مجموعة من المؤلفات التي أنجزها الكاتب والباحث الدكتور عفيف البهنسي , تتعلق بمدينة دمشق , عالجها من جوانب مختلفة , ولقد رأيت أن اتناول اليوم بمناسبة هذه الندوة الفكرية التكريمية , ماتحدث عنه في مجال تكون المدينة العربية ونموذجها دمشق, ثم عرض بعض ما ورد في كتابه عمران الفيحاء .
يؤكد في البداية تشابه المدن العربية الاسلامية في تحديد عناصر وجودها ، وذلك للوحدة الجغرافية والتاريخية والبشرية والعقائدية  القائمة فيما بينها .و يأخذ دمشق القديمة كنموذج لهذه الدراسة ، لأنها قطب أساسي من أقطاب البلاد العربية الاسلامية ، فهي دمشق ,أوالشام  وتعني الشمال التي تقابل اليمن يمناة أي الجنوب .
.
كان موقع المدينة في البقعة التي توزعت فيها مياه النهر وتشابكت فروعه فيها ، تحتضنها رياض وبساتين ومروج الغوطة التي كانت المدى الحيوي اللازم للمدينة ، ويحيط بالغوطة من الشمال والغرب جبال جرداء هي جبال قاسيون والمزة ، ومن الشرق البادية القاحلة ، ومن الجنوب مناطق قاحلة .
و  نظراً لندرة الحجارة وبُعْد المقالع الحجرية نسبيا عن المدينة ، فان العمارة وأكثر المنشآت اعتمدت على مادة الطين لإقامة الجدران والتغطيات ، أما الأبنية الحجرية فهي قليلة وإنما استعمل الحجر في البيوتات الفخمة  وفي دعم المساكن العادية وخاصة في تقوية الأساسات .
أما مناخ دمشق فهو شبيه بمناخ أكثر المدن العربية الاسلامية ، وهو مناخ جاف بسبب انفتاحها على الصحراء من الشرق ، ووجود جبال لبنان الغربية والشرقية ، كسد يمنع رطوبة البحر من التـأثير القوى على مناخها . وعلى هذا فإن أمطار دمشق غير منتظمة ، ويبقى المعدل السنوي للأمطار هو 215 مليمترا ومدتها ثلاثة أشهر ، والصيف فيها قاس جاف ، ومتوسط الحرارة خلاله هو 35 درجة ، وتنخفض درجة الحرارة في الشتاء ، ومعدلها هو 7 درجات .
يبدو من هذا العرض السريع أن مناخ دمشق قاري متطرف ، الفروق الحرارية السنوية فيه واسعة تتجاوز 20 ، كما أن الفروق الحرارية اليومية فيها 20 أيضا  وهو مناخ جاف ، رياحه عاصفة سريعة تنقل الغبار من المناطق الجبلية القاحلة أو من البادية .
هذا المناخ الذي يتشابه في أكثر المدن العربية الاسلامية ، فرض شروطه على تكوّن المدينة ومساكنها وأسواقها بل على تكون المساجد والفنادق والترب ، كما فرض شروطه على طابع الزخرفة والتزيين الداخلي  .
لقد تكونت مدينة دمشق ، كأي مدينة عربية اسلامية ، بصورة عفوية منسجمة مع الضرورات المناخية ومستجيبة لمتطلبات الانسان الذي يعيش في هذه البيئة الجغرافية ، فكانت في ذلك الحيّز المكاني الذي رسم أسلوب حياة الإنسان وتقاليده وشكل تطوره .
واستجابت مدينة دمشق القديمة بصورة تلقائية عن طريق سكانها ، لمتطلبات المناخ ، فالدروب والازقة الضيقة الملتوية ، التي تحدب عليها المشرفيات و البروزات ، مازالت خير وسيلة لتدرأ عن العابرين المشاة حر الصيف القائظ ، وبرد الشتاء القارص ، و لتحميهم من الرياح والعواصف والغبار، حتى الأسواق فلقد غطيت كلها بقبوات خشبية أو معدنية ، فأصبحت واقية شاملة لأهل الأسواق وروادها ، كما أنها أعطت السوق طابع الوحدة) .
وإذا ألقينا نظرة على المدينة من عل ، فإننا نرى أسطحتها وقد امتدت على ارتفاع واحد تقريباً ، فلا يرتفع البيت أكثر من طابقين . وهكذا فان تيارات الهواء لا تؤثر على حرارة الجو في الدروب والحارات ، مما يجعل الفارق الحراري فيها ضعيفا ويحميها من تقلبات الطقس الخارجي .
العامل التاريخي :
لقد أقام الإنسان في دمشق منذ العصر الحجري القديم ، ولقد كشفت حفريات دوكونتانسون في ضواحي دمشق ( تل الرماد ) عن وجود توضع سكني منذ الالف السابع قبل
ويصف سوفاجيه (\ مدينة دمشق في العهد الآرامي ويضع لها مخططاً تقريبياً ، وفيه تبدو هذه المدينة في صورتها الاولى المنسجمة تماما مع الشروط الجغرافية ، وهي بذلك تشكل الأصول الأولى لعمران المدينة ولعمارتها .
ومن الأمور الثابتة أن المدينة كانت محصورة بين المعبد والقصر ، ويقع المعبد على الأرجح في مكان الجامع الأموي اليوم ، ويؤكد ذلك قانون الاستمرارية Continueity  الذي يجعل موقعا ما يحتفظ بوظيفته المعمارية مع تعاقب الحضارات والعقائد . كما يؤكد ذلك العثور على اللوح البازلتي الذي يمثل ( أبو الهول ) في أساسات الجامع الأموي وقد عثر عليه عام 1949 ، وتبين أنه يرجع الى العهد الآرامي بمقارنته مع ألواح سرير حزائيل ملك دمشق الآرامي.
أما القصر فان الاعتقاد مازال قائماً بأن موقعه هو تل السماكة وكان قصراً منيفا غنيا كما ورد في وصف الملك الآشوري ( حدد نيراري الثالث )
العامل الروحي :
في دمشق مسكن إبراهيم الخليل وابيه في موقع بيت لهيا الذي مازال قائما ، وفي دمشق استقر المسيح وأمه في ربوة ذات قرار معين . وفي ضاحية دمشق نجد المكان  الذي ضرب فيه المسيح القديس بولس قائلاً له : شاؤول ، شاؤول لماذا تضطهدني ؟ . و في سور دمشق نافذة هرب منها بولس بعد أن قبض عليه اليهود وسجنوه . وفي دمشق بيت حنانيا الذي عّمد بولس و أنقذه . و في حقل ليس بعيد عن السور يوجد الحجر الذي قطع عليه رأس القديس يوحنا ، و في ضاحية دمشق ، آثار قدم الرسول مازالت قائمة .
ونعود الى داخل المنزل الدمشقي ، الى الصحن حيث البركة الواسعة في منتصف الصحن ، وحيث الأشجار المثمرة كالنارنج و الليمون ، وحيث الزهور كالياسمين والورد والريحان ، ولندقق أيضا في الخطوط الافقية والشاقولية المحيطة بالصحن ، والتي تشكلها حدود الطبقات و النوافذ ، و الى الأبواب و الأقواس و الزخارف الحجرية والخشبية ، هذه العناصر الزخرفية التي تحقق جمال العالم الداخلي في المسكن ، انها صورة عن سعي المؤمن الى تحقيق روعة العالم الداخلي في أعماق نفسه ، فالخطوط الافقية المحيطة بالصحن هي رمز لحلقات الوجود المادي المحيط بالكون أو بالملأ الأعلى ، وتتصل الارض وجميع حلقات الوجود المادي بالسماء عن طريق المركز المتمثل ببركة الماء التي تتدفق من أوسطها نافورة مستمرة الانبثاق  .
وهذه الأشجار المثمرة والرياحين ، هي الجنة التي تصورها المسلم دائماً كنقيض للصحراء القاحلة ، أما الأقواس ، فهي صيغة مصغرة لاتصال المكان بالسماء ، فهذا القوس يبتدىء من الاسفل، ثم يعود الى الارض وقد رسم شكل الكون الاصغر ، وفي حنايا هذه الاقواس أو العقود أو القباب يعيش المؤمن في مسكنه المدني تحت رحمة أجنحة الله الحادبة .
و الحديث عن الزخرفة الحجرية ( المشقّف ) والجصية ( الابلق ) والزخرفة الخشبية (العجمي) وعناصرها الهندسية التي تصدر عن شكل هندسي أساسي مثلث أومربع أو مسدس أو مثمن لكي تنطلق متشعبة بحركة نابذة جاذبة ، انما هي من العناصر التجريدية التي ترمز الى معنى الله الواحد الذي تصدر عنه كل القوى واليه تعود ، و “ انه يبدىء ويعيد “ واليه ترجع الأمور .
ـ العامل الحضري :
ان أول عامل في تكوين المدينة هو الاستقرار الحضري ، ولهذا الاستقرار شروط لابد من تحققها لاستمرار وجود المدينة . فما هي شروط الاستقرار الحضري المتحققة في مدينة دمشق ؟
أول شرط هو الماء ، فعندما لا تتوفر في مدينة ما أسباب الزرع وتربية الحيوان ، أي عندما لا يتوفر فيها الماء الكافي للري والإرواء فإنها لا تلبث أن تضمحل وتنتهي والأمثلة على ذلك كثيرة.
ودمشق كما ذكرنا تنعم بمصادر كافية من الماء، من الأمطار والسيول ومن الينابيع الصغيرة ، ومن نهر بردى والفيجة الذي يخترقها كالشريان ويغذي بيوتها وبساتينها وحماماتها ويسيّر طواحينها ونواعيرها ثم هو ينقل بقاياها ، ويروي غوطتها الواسعة.
9ان توفر الماء وهو الشرط الأساسي للاستقرار الحضري قد أعطى المدينة طابعها العربي المتميز ،
ففي منطقة قارية جافة كثيرة الرياح ، تلفحها شمس قاسية، لابد من توفر المياه لسد حاجات الناس المعاشية ولمساعدتهم في تخفيف حدة المناخ .
فالمياه التي تتدفق من البركة الكبيرة التي تتوسط الصحن في المسكن الدمشقي ، تجد مصغراً لها في الفسقية التي توجد في أرض القاعة الكبرى . كما أن هذه الماء تجد مجراها الى السلسبيل ( المصب ) الذي يزين جدار القاعة ، وتنساب المياه على صفحته المزخرفة على أروع صورة ، وعدا ذلك فان المياه في دار الخلاء وفي الحمام تستمر جارية دونما انقطاع . وعدا هذه المياه التي تتسرب من النهر كانت مياه الآبار النظيفة جديرة بالإرواء قبل أن تمتد مياه الفيجة الصافية الى أطراف المدينة .
الشرط الثاني لاستقرار المدينة واستمرارها هو الأمان . الأمان من عاديات الطبيعة وعوارضها كالبراكين و الزلازل و الطوفان ، وهي أخطار تصيب كثيراً من مناطق العالم ، ومع أن إمكانية تحاشي هذه الأخطار لم تعد صعبة ، فان دمشق ليست معرضة لهذه المخاطر الطبيعية فيما عدا الزلازل التي أصابتها في فترات متباعدة من التاريخ مثل زلزال عام 846 و 1154 و 1200 و 1302 و 1737 . ومع ذلك فان دمشق لاتعد من مناطق التحولات الجيولوجية الخطيرة .
ويزداد تحصين دمشق باقامة ( قلعة ) أقيمت في نفس مكان مقر ممثل الامبراطور وتمتاز هذه القلعة من أنها تقوم على مستوى أرض دمشق ، على خلاف قلاع حلب وحمص والقاهرة التي أقيمت على مرتفع من الارض . وكانت هذه القلعة مقرا لنائب القلعة والجند . وكانت قلعة دمشق تحوي مصنعاً للسلاح ومسجداً و حماماً وبرجاً للحمام ومستوصفاً  .
والشرط الهام لتحقيق الاستقرار في المدينة هو ( التبادل ) .والمقصود هنا تبادل الاشخاص والخدمات و السلع . و يتم ذلك في مدينة دمشق بواسطة الاسواق و الدروب و الأزقة .
وفي دمشق كما هو الامر في جميع المدن الاسلامية ، تتكاثف الاسواق قرب المسجد الجامع مثل سوق العطارين و البزورية و الحياطين و القلبقجية و الحرير و الصاغة و سوق القناديل ، كما تتكون أسواق حول القلعة كسوق الخيل وسوق السروجية وسوق التبن و سوق السلاح و سوق الحدادين.
14 وثمة عامل استقرار أساسي في تكوين المدينة هو تأمين التبادلات الخارجية ، اذ ليس بامكان مدينة ما أن تستمر بوجودها اذا كانت منفصلة عن العالم
العامل الثقافي :
أول مؤسسة تعليمية هي المسجد ، فالقرآن هو الكتاب الاول الذي أصبح موضوع الدراسة والبحث والتفسير في المسجد ، بل أصبح القرآن مصدر علوم أخرى ، علم الكلام وعلم الفقه وعلم التجويد وعلم القراءات ثم علوم الحساب واللغة .
وبعد أن توسعت الدولة الاسلامية ، واختلط العرب بغيرهم من الشعوب فضعفت لغتهم من جهة وتوسعت معارفهم العلمية من جهة ثانية ، ظهرت فئة من الناس ، وهم العلماء والفقهاء والقرّاء و الحفّاظ والمؤدبون الذين تولوا زمام التعليم في المسجد أولا ، ثم في المدرسة والكتاب حيث يجتمع طلاب العلم في حلقة دراسية وتقدم العلوم عن طريق الشرح والجدال والحفظ .
ومن المدارس التي كانت تعلم القرآن في دمشق ـ الخيضرية والجزرية والدلامية والرشائية والسنجارية و الصابونية  . ومن أضخم المدارس التي مازالت قائمة حتى اليوم المدرسة السليمانية التابعة للتكية السليمانية والتي أقيمت كالتكية والجامع على أنقاض القصر الأبلق المملوكي ،
ولقد عدد النعيمي عددا يقرب من مئة مدرسة كانت موجودة في دمشق في مطلع القرن العاشر أكثرها لتدريس المذهبين الشافعي والحنفي ، وبعضها لتدريس المذهبين الحنبلي و المالكي نذكر منها المدرسة العادلية التي أنشأها الملك العادل والتي ماتزال حتى اليوم وهي مجمع اللغة العربية والمدرسة الظاهرية والمدرسة الجقمقية والجوهرية .
 العامل السياسي :
أول قصر أنشىء في الاسلام كان قصر معاوية " الخضراء " الذي أقامه عام 656 م في جنوبي الجامع الكبير ، أقامه من الطين أولا ثم نقضه ثم أقامه من الحجارة كما روى ابن عساكر
وفي عهد نور الدين زنكي ، وصلاح الدين الايوبي تستعيد دمشق أهميتها بعد زوال الخطر الصليبي وتحرير الأرض ، وتقام في دمشق المدارس ودور العلم وتنشط فيها التجارة وتنشأ الاسواق . ولقد وصف ابن جبير هذا الحال في رحلته .
وما أن توفي صلاح الدين 1193 م حتى قام الملك العادل بعده وجعل ولده الاشرف موسى والمعظم عيسى ولاة له في دمشق ، ولكن النزاع الذي احتدم بين أمراء الاسرة الايوبية أعاد لدمشق وضعها المتأزم ، الى أن قام أحد المماليك بانقلاب في دمشق وتم مثل ذلك في مصر ، وعندما قهر بايبرس وقطز سلطان مصر المملوكي التتار في عين جالوت ، أصبحت دمشق تابعة لمصر ، ولكنها حظيت هذه المرة بمكانة لائقة جعلتها أقدر على الاستقرار وكانت في الواقع العاصمة الثانية لدولة المماليك كما يقول العمري ولكن دمشق في هذه الفترة كانت قد أصبحت مقرا لكثير من العلماء و الفقهاء والمؤرخين، من أمثال ابن تيمية وابن كثير والمقدسي والعمري وابن الشاطر الفلكي وابن عبد الهادي والصفدي والنعيمي . ويعد هذا العصر هو العصر الذهبي في حياة دمشق الفكرية .
وينتقل الحكم الى العثمانيين عام 1516 م وتتأكد السيطرة التركية وتصبح دمشق أشبه بالمستعمرة لا يربطها بالعاصمة إلا الولاء الديني . ويستقل أهل دمشق بحياتهم بعيدا عن السياسة وان كانوا من ضحاياها ، وينصرفون الى التجارة والصناعة التي ازدهرت بسبب موقع دمشق التجاري وإقبال التجار الغربيين اليها ، ثم لأنها أصبحت مركزا لتجمع قوافل الحج من مختلف أنحاء البلاد العثمانية ، وكان الحجاج يتبادلون البضائع من أسواقها مستفيدين من الاعفاء من المكوس الذي كان قائما بسبب الحج.

هذه لمع من الدراسة الموسعة التي أعدها الدكتور عفيف البهنسي , والتي ضمها كتابه  ( عمران الفيحاء ) , ويعد من أهم المراجع الموثقة عن مدينة دمشق الفيحاء.
عفيف البهنسي الباحث والأكاديمي والمؤرخ وعالم الآثار
الأستاذ محمد قجة رئيس جمعية العاديات في حلب

فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا              فـيـا دمشـق  لماذا نبدأ العـتبا
حبيبـتي أنت ، فاستلقي كأغنية             على ذراعي ولا تستوضحي السببا
أنت النساء جميعاً، ما من امرأةٍ              أحبـبـت بعدك إلا خلـتها  كذبا
فكل صـفصافـة حوّلتها امرأةً              وكل مئـذنـةٍ رصّعـتـها  ذهبا
بهذه التحية لنزار قباني عاشق دمشق، أبدأ حديثي عن العاشق الدمشقي الآخر الصديق العزيز الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي.
وإذا كان نزار عاشقاً رومانسياً للبشر وجمال المرأة، فإن عفيف البهنسي عاشق لتراث دمشق من البشر والحجر، وهو الدمشقي المهلبي العريق، الذي تمتد جذوره عبر مئات السنين، لتصافح التاريخ العربي الناصع لدمشق قلب العروبة النابض.
والحديث عن الدكتور عفيف البهنسي يعني الحديث عن موسوعة متنقلة، فهو الباحث والأكاديمي والمؤرخ وعالم الآثار والأستاذ، وهو الإنسان الوطني المتشبع إيماناً بأرضه وأمته وتراثه، وهو الذي ملأ صفحات العلم بدراساتها وكتبه وبحوثه، وهو الفنان الذواقة الذي استطاع أن يوائم بين الفن كعلم، والعلم كفن، فكان لديه هذا التناغم البديع بين النتاج العلمي الأكاديمي، والنتاج الفني الثري على المستوى المحلي والعربي والعالمي.
ولست هنا في مجال الحديث عن هذا النتاج الكبير الذي يربو على سبعين كتاباً في شتى قضايا التاريخ والآثار والتراث والفن والقومية، فالحديث في ذلك تتولاه الجلسات العلمية المتخصصة في هذه الندوة التكريمية، وهي لا تكاد توفي هذا النتاج حقه من الدراسة والعرض.
ولكنني أريد أن أتوقف عند نقطتين أراهما هامتين في شخص الصديق الكريم الدكتور عفيف:
الأولى: هي هذا الجانب الإنساني النبيل في شخصية الدكتور عفيف، والمتمثل في موقفه الوطنية الرفيعة، وعمق تمسكه بتراثه القومي وانتمائه العريض إلى هذا التراث، والمتمثل كذلك في نذره حياته للعلم، لا سعياً وراء مكسب زائل، أو شهرة زائفة عارضة، وإنما إيماناً برسالة العلم كنتاج معرفي إنساني يتوخى القيم السامية العليا التي تعود بالخير على البشرية جمعاء.
هذا الجانب الإنساني الرفيع، أصبح الدكتور عفيف يمثل من خلاله جيلاً مخضرماً شهد الاستقلال والثورات وحركات التحرر، كما شهد النكبات والنكسات على المستوى العربي، وبقي هذا الجيل في مجمله متماسكاً مؤمناً بقضاياه الكبرى وطنياً وقومياً وإنسانياً.
وهذا الجانب الإنساني نلحظه في شتى صور حياة الدكتور عفيف إدارياً وأستاذاً وباحثاً وفناناً، يعمل بهدوء وروية واتزان، وعبر تصور مسبق عميق لما يفعله، ورؤية استراتيجية تضع نصب عينيها أهدافاً يجب السعي إلى تحقيقها.
والنقطة الثانية التي أود التوقف عندها هي الهم المشترك الذي يجمعني مع الأخ الدكتور عفيف، وهو همّ العمل الأهلي في جمعيتنا جمعية أصدقاء دمشق التي يرأس مجلسها الصديق الدكتور عفيف وجمعية العاديات التي أحظى بشرف رئاستها.
والعمل الأهلي من خلال المنظمات المتصدية لذلك، يمثل أعلى الاندماج في هموم المجتمع المختلفة، ولذلك أطلق عليها منظمات المجتمع الأهلي.
وقد تأسست جمعية العاديات يوم 5/8/1924 دفاعاً عن آثار مدينة حلب أمام السرقات ومحاولات السرقة التي قام بها بعض أفراد الاحتلال الفرنسي، وتمكنت الجمعية خلال عمرها المديد الذي اقترب من /85 عاماً/ أن تنجز أعمالاً كثيرة في مجالات الثقافة التراثية، وحفظ الآثار، وذلك من خلال أنشطة متنوعة ثقافية وفنية وإعلامية واجتماعية، والقيام بزيارات ورحلات أثرية محلية وعربية وعالمية.
وتعتز جمعية العاديات بعلاقاتها الوطيدة مع توأمها جمعية أصدقاء دمشق، وبالصداقات الحميمة التي تربط الجمعيتين إدارة وأفراداً وهموماً مشتركة وأنشطة متشابهة ومنسقة.
وقد استطاعت جمعيتانا أن تخطوا خطوات رائدة في الدخول إلى شرايين المجتمع، وبخاصة شرائحه المثقفة والمهتمة بتراث الوطن مادياً وغير مادي، وكان للجمعيتين إسهامهما الواسع في رصد عمليات التطاول على الآثار والمشاركة في أعمال الحفاظ عليها وترميمها وتوثيقها وتسجيلها في التراث الإنساني العالمي لدى منظمة اليونسكو، سواء في دمشق وحلب، أو في بقية المدن والمناطق السورية، حيث لجمعية العاديات /17/ فرعاً في تلك المدن.
وإن هذا العمل الأهلي تأتي قيمته الرفيعة من كونه عملاً تطوعياً ذاتياً تمليه محبة الوطن، والرغبة في خدمة قضايا الأمة من غير انتظار مكافأة أو مرتب أو مكسب مادي.
أيها الأخوة... أيتها السيدات... أيها السادة:
إنني أغتنم المناسبة الغالية بتكريم الدكتور عفيف البهنسي، لأثني على الجهود الرائعة التي تنهض بها وزارة الثقافة برعاية السيد الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة، والذي أثبت أنه ليس الوزير فحسب، بل هو الرجل المُثَقَّف والمُثَقِّف وهذه اللفتة بتكريم أعلام الفكر والثقافة في الوطن، إنما هي تعبير عن موقف حضاري رفيع، بعد أن تعودنا على أن يتم تكريم الأعلام بعد رحيله، وما أجمل أن يتم التكريم، ونستمع من صاحب التكريم إلى كلماته التي تبقى ذخراً مدى الأجيال.
أيها الصديق الكريم والأخ العزيز الدكتور عفيف البهنسي، اسمح لي في هذا المقام الجليل أن أتقدم بالتهنئة إلى شخصك الكريم، وإلينا جميعاً لأنك تمثلنا بعملك ونبلك وسمو خلقك، وأن أتقدم بالشكر الجزيل على وزارة الثقافة ووزيرها الدؤوب الصديق الدكتور رياض نعسان آغا.
وما تكريمك إلا تكريم للبحث العلمي في الوطن، ولأجيال كنت رائدها وأستاذها في شتى مجالات المعرفة.

أصالة الجامع الأ موي في دراسات الدكتور البهنسي
أمل محاسن

قدم الدكتور عفيف البهنسي دراسات موسعة في العمارة الإسلامية في الوطن العربي, وقام بإصدار كتاب ضخم عن الجامع الأموي الكبير بدمشق ترجم إلى الفرنسية والإنكليزية.
وفي هذا الكتاب يحقق الدكتور البهنسي في هوية الجامع ويثبت أصالته المعمارية في نطاق بحث علمي ونقد مرفق ببعض الآراء والفرضيات التي قدمها بعض العلماء.
أنشئ معبد جوبتير في دمشق في عهد الأسرة السورية التي حكمت روما وعلى رأسها سبتيموس سيفيروس وابنه كاراكالا, ولعل المعبد أنجز في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي على الطريقة السورية, كما هو الأمر في معبد بل في تدمر ومعبد زوث في حصن سليمان. وكان المعبد مؤلفاً من الهيكل NAOS ويحوي تمثال جوبتير وخزنة الرب وهذا البناء مستطيل يتجه من الشرق إلى الغرب أبعاده 30×60 م ويحيط الهيكل التيمنوس وهو حرم محاط بجدران أبعاده 156×96 م وله أربعة أبواب متقابلة.
ويحيط هذا الحرم البيريبول وأبعاده 380×310 م تقريباً محاط بجدران وتحوي من الداخل محلات تجارية تشكل سوقاً ثم أضيف لجزء منه من الخارج سوق آخر.
في عهد الإمبراطور تيودوس عام 379 م استعمل الهيكل كنيسة رغم تهدمه جزئياً وكذلك الجدران والأعمدة المحيطة للحرمين. وكان ذلك إثر زلزال عام 602 م.
يؤكد كريزويل في كتابه المرجعي هذا الواقع ويؤكد أن بناء الحرم كان إسلامياً ولم يكن كنيسة كما افترض دوسو.
بعد الفتح الإسلامي  صلى خالد بن الوليد والصحابة والمسلمين في ركن متهدم من المعبد يقع في الجنوب الشرقي من التيمينوس. ولقد شاهد الرحالة أركولف بعد ثلاثين سنة من تاريخ الفتح مصلى المسلمين بعيداً عن الهيكل وقد أصبح كنيسة ».
ويرى كريزويل أنه ليس من مصدر تاريخي أو أثري يعارض هذا الرأي ولم يتحدث أي مؤرخ عن كنيسة كبيرة مشابهة للحرم الإسلامي القائم حالياً في هذا الموقع.
معبد جوبيتر يماثل في عمارته معبد زوث حصن سليمان , ويؤكد العالم الألماني كلينغل التشابه القوي بين هذا المعبد الواضح المعالم وبين معبد جوبيتر. ويبدو هذا المعبد (كما في الصورة) هيكلاً محاطاً بأسوار التيمينوس ذات الأبواب الأربعة, دون أن تتضمن أبراجاً في زواياها الأربعة أو أروقة مقامة داخل الأسوار.
: لقد بنى الوليد الحرم كله والقبّة والأروقة المحيطة بالصحن وأنشأ الصوامع الأربعة, واستعمل لذلك حجارة وأعمدة الهيكل والبيريبول, ولم يبقَ من آثار جدران المعبد إلا قسم في الجهة القبلية مع البوابة التي أصبحت مكاناً للمحراب.
وأضاف المشاهد (الصالات) الأربعة على مستوى الصوامع, وأفرغ الصحن من آثار الهيكل, وكسى الجدران بالرخام والفسيفساء.
وكانت الصوامع الخالية من المنارة إلا من شرافات تحيط ممر المؤذن أساساً في بناء المآذن في القيروان وقرطبة وغيرها هذه المساجد الأولى التي استعملت في عمارتها أنقاض منشآت سابقة.

  • يقوم المخطط على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح، لقد استبقى الوليد الجزء السفلي من جدار القبلة وأعاد الجدران الخارجية والأبواب ، وأنشأ حرم المسجد مسقوفاً مع القبة، وأنشأ أروقة تحيط صحن الجامع وأقام في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة.
  • إن الصوامع المربعة هي أصل المآذن التي انتقلت إلى شمال إفريقيا والأندلس.

هذا ولقد قام الدكتور عفيف البهنسي بدراسات أثرية تنقيبية في بناء الجامع نشر نتائجها في الحوليات الأثرية مؤكداً نظرية كريزويل وموضحاً أصالة الجامع الأموي وما أنشأه الوليد بن عبد الملك تحديداً

 
|     Copyright © 2010 afif-bahnassi. All rights reserved.    |   
Powered by Identity