ولد في مدينة دمشق سنة 1928.
دكتوراه دولة من السوربون عام 1978.
دكتوراه في تاريخ الفن 1964.السوربون
عمل مديراً للفنون الجميلة (1962-1971)، ومديراً عاماً للآثار والمتاحف (1971-1988). وأستاذاً للتّاريخ والفن والعمارة في عدة جامعات عالمية وعربية .
نال عدة أوسمة وميداليات تقديراً لأعماله ومساهماته العلمية، وعضو ومؤسس في عدة جامعات ومعاهد.
 
بعض الآراء
  عفيف البهنسي باسم شعبك وباسم الحكومة العربية السورية، شكراً لك لأنك دفعت لبلدك وأخلصت، وكنت ومازلت مثالاً يحتذى به
وزير الثقافة رياض نعسان آغا

البهنسي فيلسوف جمالي
  من أصعب ما يعاني منه الباحث المدقق أن يكتب عن بعض الشخصيات المبدعة التي يعرفها أو التي يقرأ لها.. ويعد الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي المولود بحي الشهداء في دمشق (17/4/1928م) من تلك الشخصيات المدهشة التي تضعك في صميم الحيرة والقلق العظيم، إذ تأخذك إلى أطياف شتى لا تدري كيف تتأملها، أو كيف تلتقط ملامح الجمال فيها؟
الدكتور حسين جمعة رئيس إتحاد الكتاب العرب

  عفيف البهنسي ما يزال يسطر الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن والإبداع
د. حيدر يازجي رئيس إتحاد الفنانين التشكيليين

  الحديث عن الدكتور عفيف البهنسي يعني الحديث عن موسوعة متنقلة، فهو الباحث والأكاديمي والمؤرخ وعالم الآثار والأستاذ.
أ. محمد قجة رئيس جمعية العاديات في حلب

  أشكرك أيها المبدع المكرم باللهجة العربية الأكادية (بفرعيها البابلي والآشوري) وأقول لك:

أخي أتَ جُملانك ملك علي
أي : أخي أنت جميلك ملك علي حياتي

وأحييك بلهجة السيد المسيح العربية الآرامية وأقول:

بطوبا وسلام

أي: بطيبِ وسلام

د محمد بهجت قيسي - أستاذ التاريخ القديم واللهجات العروبية الأكادية والكنعانية والآرامية

حياتي بقلم الكتاب

حيــاتي بقلم الكتاب


عفيف البهنسي ومسيرة العطاء الطويلة والمتشعبة
د. محمود شاهين

    قبل ارتياد كروم الجمال وحقوله الساحرة، التي زرعها ورعاها حتى أينعت وأثمرت، الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي وضاع عطرها بين جنبات وطننا العربي الكبير (وأنا واحد من تلاميذه الكثر الذين رافقوا عملية الزرع والرعاية و الجني) لا بد من تثمين البادرة التكريميّة الطيبة التي أقامتها وزارة الثقافة، يومي 14و15 نيسان الجاري في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق لأبرز وأهم المشتغلين في مضمار علوم الفنون الجميلة في سوريّة والوطن العربي على حدٍ سواء، إن لناحية عدد مؤلفاته باللغة العربية وعدة لغات أجنبيّة، أم لناحية نوعيّة تخصصاتها التي تماهت فيها الترجمة بالتأليف، والتأريخ بالتوثيق، والفلسفة بالنقد.
فقد تجاوز عدد مؤلفاته باللغة العربيّة السبعين كتاباً ومجلداً، بدأ رحلة نشرها العام 1960 بكتاب (الفنون التشكيلية في سورية) ولا تزال مستمرة حتى الآن، إضافة إلى أربعة وعشرين كتاباً بأكثر من لغة أجنبية منها: الفرنسية، والانكليزية، والألمانية، والإسبانية، وجميع هذه المؤلفات تدور حول الفنون التشكيليّة والعمارة والآثار في سورية والوطن العربي والعالم، خلال مراحلها التاريخيّة المختلفة.
على هذا الأساس، يتقدم الدكتور البهنسي صفوف الباحثين العرب الموسوعيين الأوائل في عالمنا العربي، بل وفي العالم، والذين تخصصوا بهذه المجالات الثلاثة اللصيقة بمسيرة الإنسان الحضاريّة الرفيعة.
يُضاف إلى ما تقدم، اشتغال الدكتور البهنسي في أكثر من مجال حيوي وهام، منها: التصوير (وله فيه إنتاج متنوع الصياغة والأساليب ينوس بين الواقعيّة والتجريدية)، النحت (وقد نفذ تجارب مختلفة مجسمة ونافرة بعضها يسكن عدداً من حدائق دمشق ( كالجاحظ وابن سينا والفارابي) إضافة إلى تصميم بعض الشعارات، وتجارب أخرى معروفة في حركة التشكيل السوري المعاصر رافقت البدايات الأولى لهذا التشكيل، حيث شارك في معرض عام 1957 ثم في معرض الخريف لعام 1959، وشغل مناصب عديدة منها: مدير الفنون الجميلة بوزارة الثقافة، ونقيب الفنون الجميلة، والمدير العام للآثار والمتاحف في سورية، وأستاذ محاضر في جامعة دمشق،وساهم بتأسيس مؤسسات وإتحادات ونقابات ومتاحف عديدة، في سوريّة والعالم الإسلامي، وحاضر في أكثر من ثلاثين جامعة عالميّة، وحصل على ثلاثة عشر وساماً عالمياً، والعديد من الجوائز، وكُرم من قبل جهات محليّة وعربيّة ودوليّة.
هذه المسيرة الحافلة بالعطاء الحضاري الرفيع للدكتور البهنسي، تجعل منه أحد أهم وأبرز المشتغلين في هذا المضمار الحافل بتلاوين رفيعة وغنيّة من إبداعات الإنسان في مجالي الفنون التشكيليّة والعمارة، وهما الشقيقان الرئيسان اللذان ينحدران من أسرة الفنون الجميلة، ويشكلان الحاضن الرئيس لباقي ضروب ثقافة الإنسان وفنونه وابتكاراته المعنيّة، بفتح فضاءات رحبة أمام روح الإنسان وعواطفه، كلما ضيّقها وحاصرها طيش البعض وفعله العاطل المخرّب للحياة، المُبشّع والمُشوه لوجهها الجميل، المدمر لمبررات الاستمرار فيها.
ماهى الدكتور البهنسي في مؤلفاته عن الفنون التشكيليّة والتطبيقيّة والعمارة، بين خصيصة المُوّثق الحصيف المطلع والمتمكن من ناصية عدة لغات أجنبيّة ولغته الأم، وبين خصيصة الفنان الممارس، والناقد الموضوعي، وبين هذه الخصائص مجتمعة، وشخصيته القوميّة الوطنيّة المحبة لأرضها، العاشقة لتراث أمتها الضارب عميقاً في تربة الحضارة الإنسانيّة، الغيور على سمعتها، الحريص على تأكيد دورها الكبير في المنجز الحضاري العالمي، ولهذا كرس عدداً لا بأس به من مؤلفاته، لإلقاء الضوء على هذا الدور، وكشفه، وتبيانه، لا سيما بعد أن حاول كثير من الباحثين والمؤرخين طمسه وتشويهه، معتمداً في ذلك، على الوثائق المُدقَقَة، والحقائق الدامغة، والمعطيات المادية الموجودة في متاحف وصالات العالم كافة، نذكر منها: الفن والقومية، أثر العرب في الفن الحديث، علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي، الأسس النظرية للفن العربي، جمالية الفن العربي، خطاب الأصالة في الفن والعمارة ,سورية الحضارية ماذا أعطت للغرب.  
وكان في هذا الجانب متحمساً، غيوراً، صادقاً، ما يؤكد مدى اعتزازه بوطنه، واحترامه لأمته، وتقديره لمساهمات الحضارة العربيّة والإسلاميّة في عملية التأسيس لانطلاقة مسيرة الفنون الإنسانيّة الرفيّعة، ومن ثم إنضاجها وتطويرها، في مراحلها المختلفة.
لقد نقب الدكتور البهنسي كباحث أثري عن الجذور الأولى لهذه المساهمة، وتتبع نموها وإيناعها والتوثيق لها، برؤية المأخوذ بعظمة هذا الإنجاز العربي والإسلامي، لكنه المُحصن في الوقت نفسه، بالموضوعيّة العلميّة المدعومة بالقرائن، المؤكدة بالإحالات والمراجع والآراء التي صدرت عن أساطين الباحثين والمؤرخين الغربيين، قبل أن تصدر من الباحثين والمؤرخين العرب والمسلمين.
بيدر عامر بالغلال الطيبة، الجميلة، المفيدة، الخالدة، زرعها ورعاها وحصدها، بأناة، وصبر، وجهد دؤوب ومستمر، ومحبة صادقة. الفنان، والباحث، والناقد، والمؤرخ، والخبير، والمترجم، ورجل الحراك الاجتماعي البارز .. الدكتور عفيف البهنسي، وما على الأجيال العربيّة والإسلاميّة، سوى أن تنعم بهذه الغلال الملونة، النادرة، المطرزة بسهر الليالي الطوال، المطهمة بأرق الفكر، والمفعمة بقلق الإبداع المُتعب والسعيد في آنٍ معاً.
بناءً على ما تقدم، وأمام هذه الغلال الوافرة، الملونة، المباركة، ماذا يمكن أن نقول، وكيف لنا بعجالة كهذه، استعراضها، والوقوف على خصائصها، وتبيان أهميتها وفرادتها.
فقد أمضى الدكتور البهنسي نصف قرن من الزمن، في إنجازها وإخراجها بشكلها الجميل، العميق، الموضوعي، لتشكل في النهاية، كنزاً ثميناً لطلاب الفنون والعمارة والآثار ومزاوليها والباحثين فيها، ليس على الساحة السوريّة فحسب، وإنما على الساحتين العربية والإسلاميّة وحتي العالميّة.
إرث كبير من المعرفة المتخصصة، تتركه هذه القامة العالية، لأجيال الفنانين والمعماريين والآثاريين التي هي بأمس الحاجة لها، لأهميتها ودقتها وموضوعيتها، ولندرة البدائل المشابهة لها، باللغة العربيّة.
ما يلفت الانتباه، قيام الدكتور البهنسي بإنجاز هذه المعارف الفنيّة الهامة والنادرة، على مدى نصف قرن من الزمن، وبخط موازٍ، قيامه بنقلها إلى طلبته الكثر، بكل حيويّة، ومثابرة، وهمة عاليّة، وتجديد دائم. فهل هناك أجمل من هكذا معادلة: صنع المعرفة، ونقلها مباشرة، إلى المعنيين بها؟!.
لزمن طويل .. وطويل جداً، ستبقى تتغذى أجيال الفنانين التشكيليين والمعماريين والآثاريين، على ما طرحته كروم الجمال البهنسيّة. هذه الكروم التي شبت في تربة وطن الأبجدية الأولى وشربت من مائه، وترعرعت وأينعت تحت سمائه، وسافرت غالبية ثمارها، إلى العالم بأشرعته، ما يجعل منها إنجازاً حضارياً معرفياً سورياً بامتياز.
هكذا عطاء، بهكذا مواصفات، جدير أن يُكرّم بما يليق به. وزارة الثقافة، كانت السبّاقة بمبادرتها النبيلة هذه، فهل تحذو حذوها الجهات الوطنيّة الأخرى، لا سيما السواقي التي تلقت بشكل مباشر، معارف هذه القامة ـ النهر التي ما تعبت من العطاء، ويبدو أنها لن تتعب، طالما تتوهج فيها الحياة، بدليل عطائها المستمر حتى الآن.

لأستاذي السابق، وزميلي اللاحق، الأستاذ الدكتور عفيف البهنسي، أقدم بمناسبة تكريمه أصدق التبريكات على هذا التكريم الذي يستحقه، وكل الشكر لصناع هذا التكريم، مع تمنياتي له بالصحة وطول العمر، واستمرار العطاء المبارك والنبيل.

عفيف البهنسي . . . تأريخ وتوثيق وإبداع
غسان كلاس
قبل إلقاء الضوء على بعض نتاجاته لابد من الإشارة إلى أن الدكتور عفيف البهنسي ولد بدمشق ( حي الشهداء ) في السابع عشر من نيسان 1928 ، هكذا فإن الرجل الذي غنّى الوحدة والبطولة وتغنى بهما يكون مولده في هذا التاريخ الخالد ( 17 نيسان )العيد الفومي ، وفي حي الشهداء .. أليست الشظية التذكارية التي أقامها في مكتبه على قاعدة خشبية من مخلفات حرب تشرين 1973 ، التي شارك بها ، تمثل فناً تجريدياً يربط الشهادة بالجمال والإبداع وسيرة هذا الرجل . أنجز د . عفيف البهنسي حتى تاريخه ، أمدَّ الله في عمره ، ما يقارب السبعبن كتاباً ، بعضها موسوعي في عدة مجلدات وأجزاء ، ومن بينها أكثر من أربعة وعشرين كتاباً باللغات الأجنبية ، كما أنجز العديد من الأبحاث المعمقة والموسعة نُشرت في مجلات ودوريات محكمة ، أو صدرت في كتب ، إضافة إلى عدد كبير من الدراسات والمقالات التي تضمنتها موسوعات ومجلات وصحف مختلفة محلية وعربية ودولية . وعبر وسائل الإعلام أعدَّ الدكتور البهنسي برامج إذاعية وتلفزيونية ، أسبوعية ويومية ، استمر بعضها أكثر من ثلاث سنوات ، وقدّم في سورية وخارجها مئات المحاضرات في موضوعات مختلفة ، علاوة على كونه من المحاضرين البارزين في جامعات عربية وعالمية في دمشق ـ الأردن ـ الكويت ـ قطر ـ تونس ـ أمريكا ـ استراليا ـ إنكلترا ـ الجزائر ـ طوكيو ـ باريس ـ روما ـ صنعاء ـ السعودية ـ ليبيا ـ بغداد ـ تركيا ـ ألمانيا ـ الإمارات ـ وغيرها . . . ويعد د . البهنسي من مؤسسي نقابة الفنون الجميلة في سورية ، وأول نقيب لها ، ومن مؤسسي اتحاد الكتاب العرب ، وغيرهما من المؤسسات والنقابات والأكاديميات ، مثل : كلية الفنون الجميلة ، جمعية أصدقاء دمشق ـ معهد الفنون التطبيقية ـ معهد الآثار والمتاحف . . . وقد رأس تحرير بعض المجلات والدوريات ، أو كان عضواً في هيئة تحريرها : الحوليات الأثرية ( سورية ) ، مقرنص Mukarnas ( بوسطن ) ، الحياة التشكيلية ، آرت Art( لندن ) أويOeil ( سويسرا ) . . . كما صمم شعارات المجلس الأعلى للعلوم ـ المركز الثقافي العربي بدمشق ـ نقابة الفنون الجميلة ـ مدينة دمشق ـ الإذاعة والتلفزيون ـ المؤتمر العالمي لتاريخ الحضارة العربية ـ القرن الهجري الخامس عشر ـ مؤتمر الآثار الفلسطينية ، وشارك في الإشراف على تصميم طوابع بريدية ،و العملة الورقية المتداولة في سورية ،وساهم في تصميم وتنغيذ صرح الشهيد في دمشق ـ بانوراما حرب تشرين التحريرية ، ومتاحف : السويداء ـ دير الزور ـ درعا ـ حماة . . . أسهم د . البهنسي في إنشاء العديد من المتاحف : الخط العربي ـ الفن الحديث ـ بصرى ـ الرقة ـ دير الزور ـ اللاذقية ـ أرواد ـ حمص ـ الطب والعلوم بدمشق ـ التقاليد الشعبية بحلب ـ التقاليد الشعبية بتدمر ـ إدلب ـ خان مراد باشا بالمعرة ـ متحف دمشق التاريخي ومتحف التقاليد الشعبية بدمشق . ولا ريب في أن شخصاً بهذا المستوى المعرفي والأكاديمي يغني حضوره المؤتمرات والندوات ، ويغتني بها أيضاً ، وفي هذا الإطار فقد جاب العالم ، وحضر باحثاً ومشاركاً ، في أكثر من مائتي مؤتمر وندوة . وقد أكسبت هذه السيرة العلمية والفنية الغنية الدكتور البهنسي تقدير جهات مختلفة ، وأعربت عن هذا التقدير بعشرات الأوسمة والأوشحة والميداليات ، محلياً وعربياً ودولياً ، وجعلته أيضاً ، موضوعاً بارزاً وهاماً في عدد كبير من اللقاءات والحوارات بوسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية . . ولمكانته العلمية المتميزة أُسند إليه وضع مقدمات لعشرات الكتب والمؤلفات, وتولى بحكم درجته الأكاديمية ، الإشراف على أكثر من اثنتي عشرة رسالة دكتوراة وماجستير . . و قبل أن يتفرغ لتدريس تاريخ الفن والعمارة ، في كليات الفنون الجميلة والعمارة والآداب بجامعة دمشق ،تسلم إدارة الفنون الجميلة في وزارة الثقافة والمدير العام للآثار والمتاحف . . . حصل على إجازة دار المعلمين , ومن ثم الحقوق ودبلوم الأعمال الإدارية من جامعة دمشق , والدكتوراه في تاريخ الفن من ( السوربون ) 1964 بدرجة مشرف جداً ، ودكتوراه الدولة من الجامعة نفسها بدرجة مشرف جداً في عام 1978 . . . أصدر الدكتور البهنسي عدداً من المؤلفات عن دمشق الشام , ونتوقف بهذا الصدد عند ثلاثة عناوين بارزة ، الأول : الشام الحضارة ، الذي يتناول من خلاله أصول أهل الشام المشتركة قبل التاريخ ، الشام والحضارة ، الشام والعالم ، الآثار الشامية ، دمشق الشام ، بداية العمارة الإسلامية في بلاد الشام ، والفنون الشامية . . . مؤكداً على الدور الأساسي الذي لعبته بلاد الشام في تكوين الحضارة العربية قبل الإسلام وبعده ، وعدم تأثير أشكال التجزئة إبان معاهدة سايكس بيكو على وحدتها التاريخية والحضارية . . . الثاني : عمران الفيحاء الذي يوثق لتكون وتطور مدينة دمشق التي تعتبر أقدم مدينة مأهولة حتى اليوم . . . وعلى مدى اثني عشر فصلاً ومقدمة وافية في تكوين المدينة العربية ، يتحدث المؤلف عن دمشق التي ما زالت زاهرة حتى اليوم ، وعن العوامل الأساسية المكونة لها ، وعن مشاهدات الرحالة والجغرافيين لها ، وعن تكون المناطق والأحياء ، وتكون مركز المدينة والجامع الأموي الكبير ، وعن تكون معالمها بعد الأمويين ، وإشكالية التكون الأصيل ، وتكوّن المدينة المعاصرة وتحديات العصر الحديث ، ومجابهة هذه التحديات ، ومن ثم مخطط دمشق ونظامها الإداري . . . وقد حفل الكتاب / عمران الفيحاء / بمجموعة من الملاحق والمخططات والصور التي أغنته . والعنوان الثالث : موسوعة سورية التاريخ والحضارة في ثمانية مجلدات ، تناولت التاريخ العام من خلال المكتشفات الأثرية ، بداية التاريخ في سورية ، المدن الأولى ، سورية ومصر ، سورية والبحر المتوسط ، الممالك الآرامية ، النفوذ الأجنبي وحكم الفرس ، العصر اليوناني والسلوقي ، روما وسوريا ، سوريا والمسيحية ، الفتح الإسلامي ، الحروب ضد الفرنجة والمغول ، خارطة سورية عبر التاريخ ، الدولة السورية ، الحدود السورية ، تضاريس سورية وأنهارها ، الاقتصاد والتقسيمات الإدارية . . . وعبر سبعة مجلدات يوثق بالكلمة والصورة المعبرة تاريخ دمشق وريفها ، الجزيرة والفرات ، البادية وتدمر ، المناطق الجنوبية ، الساحلية ، الشمالية ، والوسطى . . . وفي كتابه ( العمارة عبر التاريخ ) يتناول د. البهنسي بالدراسة والتحليل العمارة المصرية القديمة ، والعمارة الرافدية ، العمارة السورية القديمة ، الفارسية الإغريقية ، الهلنستية ، الرومانية ، المسيحية الأولى ، العمارة في الشرق الأوسط ، العمارة العربية قبل الإسلام ، العمارة الإسلامية ، العمارة في عصر النهضة ، العمارة الأوربية ، العمارة الحديثة في القرن العشرين ، مؤكداً خلال ذلك أن الحديث عن العمارة عبر التاريخ يدخل في صميم الحديث عن الحياة الثقافية والاجتماعية ، فثمة تأثير متبادل ، وقد تكون العمارة هي الشكل الخارجي لهذه الحياة ، كما تكون الحياة انعكاساً لشكل العمارة . في بينالي الشارقة السادس يرفد الدكتور البهنسي المكتبة العربية بكتاب جديد في الموضوع ذاته ولكن في إطار جديد : العمارة الهوية والمستقبل يتضمن الهوية وخصائص العمارة ، الهوية في عمارة المساجد ، الهوية في عمارات القدس ، وزخارفها ، العودة إلى الهوية في العمارة ، قراءة تراثية في آخر منجزات العمارة . وفي عام 2004 يصدر د . البهنسي ثلاثة كتب هامة : علم المتاحف والمعارض ، علم الجمال وقراءات النص الفني ، علم الخط والرسوم . حيث يتحدث في الأول عن نشأة المتاحف وتكوينها ومعروضاتها وأشهرها وعلاقتها بالتربية ، ويفصِّل القول في بعض المتاحف العربية والسورية ، منتهياً إلى الحديث عن المعارض بوصفها أسواقاً . . . أما في الكتاب الثاني فيبحث في ماهية النص الفني ودلالته وأشكاله خطياً وتشكيلياً ، وهو الذي آمن ، وكرَّس هذا الإيمان ، بأن الفكر الإسلامي هو الخلفية الحضارية للإبداع العربي وغير العربي ؛ وغني عن الذكر في هذا المجال ، دراساته المعمقة عن التوحيدي وخصوصاً الجانب المتعلق بفلسفة الجمال التي بدت خطاباً متكاملاً في جمالية الإبداع متمثلاًَ في بلاغة النثر ، وغنائية الشعر ، وتناسب الصورة ، وتوازن الخط ، وتناغم اللحن . وفي كتابه الثالث ، ضمن هذه السلسلة ، يبحث في تاريخ الخط العربي ، وفنيته ، وتعليمه ، ومن ثم الرسم الزخرفي والرسوم التعليمية وغيرها . . . في سيرته الذاتية المرتبة والأنيقة ، وقبل كل شيء الغنية ، التي قدمها لي د . البهنسي مع بعض كتبه ، في منزله الذي ينضح بالأصالة والفن ، لفت نظري أنه سرد عناوين كتبه الفنية باللغة العربية ، واللغات الأجنبية ، ولم يتطرق لإبداعات ذاتية ووجدانية جسدها عبر عواطفه في نظم شعري جميل . ثلاث مجموعات شعرية أصدرها د . البهنسي ، على ما علمت : أبيات على صفحة الجبين ـ أناشيد للوطن ـ أغنيات حالمة . ولعل تجربة د . البهنسي الشعرية تعكس تربيته الأخلاقية والوطنية ، وأثر البيئة في تكوينه ، ولا بأس من الإشارة إلى عناوين بعض القصائد التي تؤكد ما ذهبنا إليه : أمي ـ ابني الحبيب ـ بيتي ـ دمشق الشام ـ لغة العروبة ـ دم الشهيد ـ شهيد ميسلون ـ المعلم ـ الربيع ـ نصر الجنوب ـ عصر الجلاء . . . يقول شاعرنا د . البهنسي ، ويظهر أثر الاختصاص والأكاديمية في ذلك ممزوجاً بحب الوطن الأزلي : يا موطني ..ليس انتمائي نزوةًَََ بل لحمةً.. أنا الجدود والجنين توجت هامات الرجال بالسنا وبالعطا , كرمت كلّ الفاتحين سلمت من قهر الزمان والقدر وعشت دوماً غرةّ فوق الجبين َ وبعد لابد أن نذكر من مناقبه التواضع والبعد عن التشوف ، فهو يعتقد دائماً (أنه لم يكن البطل الذي يقهر كل التحديات ، وليس هو فرد عصره الذي لا نظير له في مجاله ، ولكنه حريص على أن يسرد التاريخُ حصيلة جهده ، لعله يكون مثالاً أو لعله يستطيع أن يجلي بعض الغموض واللبس في فهم إنجازاته) .
كتاب عفيف البهنسي و الجمالية العربية
د.عزت السيد أحمد: رئيس قسم الفلسفة في جامعة تشرين

بعض ما كتب :
عرض في المسيرة التاريخية

1- أمام مرآة الخطاب
يقيناً أن مسيرة كل إنسان لم تجر دائماً على بساط ممهد سهل، إذ إن كثيراً من العقبات والأزمات أعاقت هذه المسيرة التي كانت غالباً، شاقة وصعبة. حتى بات حجم النجاح يعادل في الواقع حجم الصعوبات. فإن كان من كتابة عن أولئك الذين أغنوا مسيرتهم بالمنجزات، فإنها كتابة عن صمودهم وتحديهم لجميع الإعاقات، كتابة بالتالي عن النجاح في تحقيق رسالتهم التي تفردوا بإعدادها وتنفيذها. ومع ذلك فإن بعض الإحراج يعتري دائماً من يكتب في سيرة عفيف البهنسي وعن مساراته، فهو يعتقد دائماً أنه لم يكن البطل الذي يقهر كل التحديات، وليس هو فرد عصره الذي لا نظير له في مجاله، ولكنه حريص أن يسرد التاريخ حصيلة جهده، لعله يكون مثالاً ، أو لعله يستطيع أن يجلي بعض الغموض واللبس في فهم إنجازاته.
أن أختصر الحديث عن فعاليته التي استمرت ثمانية عقود في عدد محدود من الصفحات، يبقى أمراً صعباً، ومع ذلك فإن ثمة إنجازات تسعفني في تلخيص هذه المسيرة الصعبة والممتعة، والتي ابتدأت منذ الخطوة الأولى وأنا مدرك السمت الذي سيوصلني إلى هدفي.
2- عفيف البهنسي عبر تاريخه الوطني والفني, أمام رفوف مؤلفاته
   أمام مرآة عرضها عقود طويلة  من عمره ، وقفت أبحث عن ذاته من خلال السنين، فلم أجد أصدق من الكتب والدراسات والمحاضرات التي حملت عبء أفكاره ومصادره الثقافية , التي وثّقت رؤيته النظرية في مجال الفن والعمارة وفي موضوع الإبداع والتراث وعلم الجمال العربي.
وإنني لأشهد أن هذا الإنسان الذي تنعكس صورة حياته في مرآة عطائه ، هو إنسان بسيط واضح، ولكن طموحه أكبر حجما" من عمره، فالزمن الذي يعيشه لا يمكن ان يحسبه تقويم الأيام و السنين، و إنما يحسب بتقويم ما أنجزه.
وإذا ذكرت شيئا" عن الطموح فلا أعني به طموح المكاسب بل هو طموح العطاء، أتراني سأنصف هذا الباحث الجمالي الذي أحتار الآن من أي موقع سأستوقفه لأحاوره وأحاسبه.
اًترانّي سأراه من خلال مرآة محدبة أدخل من خلالها إلى عقله وإلى روحه، لا، يكفيني أن أقف أمام مرآة عطائه لأستشف دونما مبالغة أو شفعة، كشف هوية الإنسان الذي آمن بالحب أولا" وبالعمل ثانيا" وبالوجدان ثالثا".
طريق طويل شائك صعب، ولكنه مستقيم ينتهي بهدف كبير، أسير فيه وأنا أتابع سيرته، منذ أن ولد في دمشق عام 1928 إلى أن وقفت اليوم أمام مرآة زمانه في مكتبته العريضة.
في بيئة ثقافية تنتمي إلى أجداد من الفقهاء والشعراء والمؤرخين، نشأ ترافق حياته صعوبات العيش في ظروف الانتداب و الثورة، وفي ظروف الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه الظروف سببا" في انخراطه مع أقرانه من طلاب المدارس الابتدائية والثانوية، بالعمل القومي مشاركا" في المظاهرات والندوات المعارضة، ولقد شهد عام 1945 سقوط زميله قتيلا" برصاص الفرنسيين، فعرف بعد ذلك أن الحرية لا تعطى بل تؤخذ بالتضحية والفداء ، وكان طموحه أن ينتسب إلى الكلية العسكرية، فهي الطريق لترسيخ الحرية وتحقيق الوحدة العربية التي ما يزال يراها مصيرا" محتما" لا بد من تعجيل إنجازه.
ولم يتحقق أمله أن يكون عسكريا" ممتهنا"،  ولكنه دخل الجندية من باب الخدمة الإلزامية التي امتدت سنوات، وكانت مشاركته في حرب تشرين من أجّل لحظات حياته، ومن الجبهة كان يراسل جريدة الثورة يوميا"، وما زالت العناوين الكبرى تتصدر صفحات الجريدة المحفوظة في مركز الوثائق تتحدث عن انطباعات مباشرة للانتصارات التي حققها المقاتل العربي في معركة الكرامة، التي قضت على أسطورة التفوق الإسرائيلي.
لست أدري لماذا توقفت صورة هذا الرجل، الماثل أمامي في مرآة حياته، وهو يرتدي بزة عسكرية، أكان ذلك بوحا" صريحا" برغبته بامتهان، العسكرية أم كان إثباتا لقوله " ثمن الحرية الشهادة ". ولعل الجواب تعبر عنه لحظة انفجار صاروخ على مقربة منه تجمعت شظاياه حوله وحال دون اختراقها جسمه كيس من الرمل. كانت هذه اللحظة تعادل الشهادة فعلا"، وما زالت شظية تذكارية أقامها على قاعدة خشبية أصبحت كتمثال من الفن التجريدي ،تزين مكتبه ،تذكره أبداً بالشهادة التي لم يمنَ بها.
3- عفيف البهنسي, دراسته الجامعية
هكذا إذن لم يكن جنديا" ممتهنا"، بل آثر دراسة الحقوق وحصل بعدها على شهادة الاختصاص، وكان شعاره أن الحق مفتاح الحضارة، وأن التعمق بمفهوم الحق ثقافة هامة ضرورية لمباشرة الحياة والنجاح فيها، ولكنه وقد مارس التصوير منذ طفولته، كانت هوايته الدافع الأقوى للتعمق بالفن ممارسة ودراسة، ولم يكن أمامه إلا طريق باريس حيث الأكاديميات الفنية والمتاحف، فدرس التصوير في أكاديمية أندره لوت الفنان الفرنسي والمؤرخ، وتعلم منه أن مصدر الفنون هو الشرق، فلقد قرأ لأستاذه مؤلفاته عن الفن المصري، وعندما انتسب إلى جامعة السوربون عام 1952 كان موضوع رسالة الدكتوراه  " ألاستشراق والفن الحديث ".
هكذا حدد طريقه الفني في اتجاه واضح، أن يدرس ما استطاع تاريخ الفن العربي الإسلامي وان يتعمق في جمالياته، سعيا" وراء تأصيل الفن الحديث.
كانت الوحدة العربية التي كثيرا" ما هتف إليها وسعى ، قد تحققت عام 1948 بين مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر الذي جعل القومية العربية هدف المصريين, وجميع الشعوب التي تتكلم العربية ولم تكن تعي هويتها بوضوح.
4- عفيف البهنسي نشاطه الإداري
لأول مرة تنشا في سوريا " وهي الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة " وزارة للثقافة، وعلى حداثته دعي للمشاركة في تكوين هذه الوزارة مع لفيف من كبار المثقفين من أمثال إبراهيم الكيلاني وعبد الله عبد الدايم وصباح قباني، وعهد إليه بمنصب مدير الفنون الجميلة.
من منبر هذا المنصب استطاع أن يوسع نشاطه الفني الذي ابتدأه منذ أن أسس جمعية الفنون الجميلة مع لفيف من الفنانين الرواد، مثل محمود حماد وادهم إسماعيل، وكان أول عمل قام به، تأسيس مراكز للفنون التشكيلية وللفنون التطبيقية في أنحاء  بلاده لصقل المواهب الفنية بشكل حر، ولكن الإنجاز الأهم كان في إنشائه معهد الفنون الجميلة عام 1959 الذي أصبح كلية تضم العمارة، وابتدأ منذ ذلك الوقت بتدريس مادة تاريخ الفن والعمارة فيها حتى اليوم، وكان كتابه تاريخ الفن والعمارة في العالم، مرجعا" لطلابه ولجميع الطلاب في كليات الفنون العربية.
في نطاق عمله وتدريسه، تحمل مسؤولية تشجيع الفنانين وتوسيع نشاطهم عن طريق المعارض الجماعية والفردية , وعن طريق الاقتناء والتكليف, فعزز متحف الفن الحديث ووزع أعمال الفنانين في الدوائر والسفارات، وعرّف بها بكتب ومنشورات وبرامج إذاعية وتلفزيونية.
إن ما أنجزه في نطاق عمله الوظيفي مسؤولاً عن الفنون أولا"، ثم مسؤولاً عن الآثار والمتاحف أخيرا". ما زال ماثلا" يحمل أثره في المتاحف التي أنشأها وفي المكتشفات التي تحققت، وفي أعمال حماية الآثار وترميمها والتعريف بها عن طريق المعارض الأثرية الضخمة، التي جابت أنحاء العالم من اليابان إلى الولايات المتحدة مرورا" بأوروبا، ولأول مرة أصبحت حضارة سوريا واضحة أمام ملايين المشاهدين مقروءة من خلال الكتب التي نشرت بلغات مختلفة، يعترف بعراقتها وأهميتها علماء الجامعات العالمية والباحثون.
وعندما شعر بتضخم مسؤولياته دعا إلى إنشاء تجمع للفنانين، وانتخب أول نقيب لإتحاد الفنون الجميلة. وكان هدفه تحقيق ديمقراطية النشاط الفني موازيا" للدعم الرسمي.
5 - عفيف البهنسي أبحاثه ودراساته
كانت دراساته في الفن قد وجدت معينا" خصبا" لها في التراث الفني الإسلامي. فانكب على دراسته من زاوية تحديد جمالية هذا التراث، فكان مشروع رسالته الثانية دكتوراه الدولة في جامعة السوربون - باريس 1978. وتتالت الدراسات تصدر في كتب مرجعية عن دور النشر العربية ، موضوعها الفن والعمارة والجمالية ، وكان همه أن يسد نقص المكتبة العربية بمراجع تتحدث في تاريخ الفن وفي مصطلحاته وفي فلسفته. وما زالت المعاجم التي صدرت له عن مجمع اللغة العربية بدمشق أو عن مكتبة لبنان عماد الباحثين والدارسين. وما زالت مؤلفاته السبعون شاهدة على فكره، متاحة للقارئ في جميع المكتبات، من مكتبة الكونغرس إلى مكتبة الأسد
6- في قاعات التدريس الجامعي
 يجرني الكلام عن التعليم الجامعي إلى الوقوف قليلاً في قاعات التدريس والمحاضرات التي قدم فيها محاضراته، وتكاد لا تخلو جامعة عربية لم يلتق بأساتذتها وطلابها، فكثيرة هي الجامعات العالمية التي شرف بالمحاضرة فيها، مثل السوربون ,وكامبردج ,وأكسفورد, وهارفرد, ولوس أنجلوس, وطوكيو ,وسدني.
لقد أمضى في مجال التدريس الجامعي في دمشق ما يقرب من أربعين عاماً، وكان سعيداً بدوره التعليمي ، قريباً من طلابه معتزاً بوفائهم، فحيثما مضى المعلم يرى أصدقاء يكنون له احتراماً ومودة لا مريّة فيها، إنها أشرف مهنة يقدم فيها المعلم رسالته الفكرية مخلصاً، وهو اشد من الآباء اعتزازاً بطلابه الذين يحققون طموحاته , بنبوغهم وتفوقهم.
7- عفيف البهنسي الوظيفة والوجدان
على أن صاحبي لا يستنكر عمله الوظيفي الذي اختاره ليكون حقلاً لتنفيذ أفكاره وأهدافه في تعزيز الحركة الفنية, وتأسيس المعاهد والمراكز, وإنشاء المتاحف وترميم الآثار , والحفر في الأرض لاكتشاف الحضارة والفن والتاريخ. لم يكن صاحبي مع ذلك موظفاً تابعاً ، وكثيراً ما كان يعلن في مؤتمراته الآثارية السنوية وفي مقالاته ،" إن رب العمل هو الوجدان " . وأنا أسمع كلامه هذا الذي أثار زوبعة من سوء الفهم، كنت أعرف أنه لا يعني الاستهانة بالسلطة بوصفها رب عمل ، بل يعني عدم وجود رب العمل الفعلي الذي يحرص على إنتاجية مصنعه (الدولة) كالوجدان ، ومع أنني أعترف أن الحديث عن الوجدان ليس سهلاً، فهو يتطلب انتماءً وطنياً مطلقاً وسلوكاً أخلاقياً مثالياً ، فإنني أرى معه أن رب العمل الحقيقي ليس المدير أو الوزير، بل هو الوجدان، الوجدان الذي يدفع بالمقاتل أن يضحي بروحه ودمه من أجل الكرامة والحرية والشرف. ولعل صاحبي كان يحمل بين جنبيه أثناء عمله شعور الجندي في ساحة الشرف. يدفعني إلى هذا التشبيه ما قرأته في مقالاته في جريدة الثورة أيام حرب تشرين التي تغنى بالنصر فيها.
8- عفيف البهنسي و البحث عن أسرار الإنسان والطبيعة والحياة
لا أدري لماذا ينتابني شعور بالتحيّز لصاحبي، وبأنني أتمادى في وصفه مثالياً، مع أنه في مذكراته الخاصة التي ما زالت سريّة، يعترف أنه ما زال في بداية الطريق للتعرف على حقيقة الإنسان ,وأسرار الواقع الاجتماعي, وخفايا الطبيعة. وأن أخطاءه لم تكن إلا نتيجة مغامراته في خوض الخفايا والأسرار بدون تحفظ أو خشية. ففي نطاق الإنسان عرف بعد عقبات كثيرة أن كل إنسان عالم متفرد يريد أن يستوعب الكون كله، وأن المجتمع مؤلف من شخصانيات متفردة مستقلة، ليس الاتحاد والتعاون سهلاً بينها. واستفاد من تجاربه، أن فهم الآخر يبدأ من الاعتراف به وتبرير مواقفه ، مهما كانت مخالفة أو معارضة. وفي نطاق الواقع الاجتماعي آمن بالتغيير ضمن حدود الحرية. وفهم أن الأنظمة الحاكمة تسعى وئيدا" لإلغاء الشعوب واعتقال المؤسسات. إنها لعبة عالمية أشبه بلعبة الشطرنج، جميع الأحجار مرصودة لحماية الشاه. وفي عالم الطبيعة وجد نفسه أمام الله وجبروته، فكان يبحث عن الإعجاز في تكوين عناصر الحياة والوجود، فلم يجد أبلغ من صناعة هذا المطلق الأجل, الذي حقق الكمال والجلال والجمال في الطبيعة؛ فهل كان على خطأ؟!
9- الصواب والخطأ
لقد قيل أن الأخطاء تتناسب طرداً مع العمل ، وقيل أيضاً أن ما هو خطأ هنا صواب هناك، لذلك لم يكن صاحبي يخشى الخطأ لأنه لم يكن يخشى الخطر. فإذا قيل أنه شجاع مغامر، فلم يكن ذلك على حساب الحق والصواب، بل على حساب الأحكام التي تصدر عن حسد أو حقد، وهي حالات أصبحت مألوفة في مجتمع يتسابق باتجاه الكسب الأوفر والجهد الأقل، مستخفاً بكل عمل تأسيسي. ومع أني على وفاق مع صاحبي في آرائه لأنني من أكثر الناس معرفة به وأكثرهم ثقة بأفكاره وأعماله ، فإنني أقول " جل من لا يخطىْ ". ولو أتيح لي أن أقرأ سريرته ، لوقفت على اعترافات بالخطأ ، لا يخفف منها إلا شهادات التقدير التي أحرزها , والأوسمة الرفيعة التي حملها من عشرات الدول مع ميداليات التكريم ، هذه الوثائق التي يحتفظ بها في خزائنه وقليل من الناس من اطلع عليها، لعلها علامة ثقة بشجاعته في اختراق المخاطر والمواقع.
10- الهواية وليس المهنة
يعترف صاحبي أنه فنان هاوٍ ، مع أنه اشترك في العديد من المعارض, وأقام التماثيل البرونزية في الأماكن العامة بدمشق . إنها هواية لأنه لم يسع إلى الكسب من عمله الفني، ولكنها الممارسة التي تتوازى مع البحث الفني النظري الذي استأثر به. هذا البحث الذي صرفه عن الإبداع الأدبي الذي باشره في شبابه عندما كتب القصة القصيرة في مجلة الآداب ، وعندما نشر الشعر المنثور في مجلات مختلفة .والشعر المقفى في دواوين ثلاثة. ويعتقد صاحبي بأهمية الفن كهواية ، فهو رياضة نفسية وتفريغ خيالي ، وتزجية للوقت ، ومتعة بالجمال الفني ، عدا أنه تطبيق للفكر الجمالي إذا كان هذا الفكر شاغل صاحبه وهمه الأول. وأنا أعرف سبباً آخر أبعده عن امتهان الفن ، لم يعلنه هو، استنتجه الآن من بعض مواقفه ، هو ظهور تيارات عبثية عدمية أراد أصحابها أن يفرضوا أنفسهم على الساحة الفنية بحجة الحداثة التي سرت في الغرب؛ أو هو ظهور مدعي الفن الذين فرضوا أنفسهم في المعارض بقوة السلطة ,أو فرضوا أنفسهم على مقاليد النقد والصحافة. ولعل هذا السبب كان شديد الوضوح اثر حادثة لؤي كيالي . وهو فنان مبدع مرهف مثالي ، تعرض لنقد صحفي مغرض ابتزازي ، سبّب له اختلالا عقلياً وهذياناً، فأهمل نار لفافته فاحترق في سريره ومات. حادثة لؤي أثارت لديه شجوناً وأسئلة كثيرة عن دور النقد, وعن أهلية ونزاهة الناقد، وعن أخلاقية الفنان ومثله، وعن الرعاية الحقيقية للإبداع .وكثيراً ما طرح هذه الأسئلة وهو يكتب عن فان غوغ الفنان الهولندي الذي كان ضحية سوء الفهم، مثل لؤي كيالي وغيره، فمات منتحراً دون أن يكسب من الدنيا بنساً واحداً. مع أن لوحة واحدة له بيعت مؤخراً بملايين الدولارات.
11- عفيف البهنسي و أسرته أولاً
أمام مرآة عطائه كنت أحاوره بهدوء ، وظل صامتاً ، ثم لم يلبث أن خرج من المرآة ليدخل بيته في الروضة ، حيث مكتبه ومكتبته ، وحيث أقلامه وريشه ومؤلفاته ولوحاته ، ولكنه كعادته ، لم يكن متلهفاً للكتابة بقدر لهفته لأولاده ،إياد وأنس ويولا وكنان وعمر , وعلى رأسهم زوجه المصورة التشكيلية ميسون. لقد كان أباً قبل أن يكون باحثاً أو أديباً أو فناناً، وأولاده الأربعة وبنته الوحيدة هم عالمه ومستقبله وهمه، وليس من حقي أن أنكر عاطفة أي أب نحو أولاده، ولكني لن أنسى رعايته اليومية بمتابعة دراستهم وتشجيعهم وبمراقبة سلوكهم ضمن حدود الحرية والثقة والحب, حتى حصلوا على أعلى الألقاب الجامعية. وأنا أشهد بأن حب الأبناء وتقديرهم لأبيهم كان انعكاساً لهذه الرعاية وهذا الحب الصادق , وأعرف أن الأب القدوة يساعد أبناءه على رسم مستقبلهم وتحقيقه.وكان عليه أن يترك المجال واسعاً لزوجه ميسون، لكي تأخذ حقها في ممارسة اختصاصها الذي تفوقت فيه منذ أن كانت طالبة في كلية الفنون الجميلة

لتحميل الكتاب بالكامل :اضغط هنا


حكايات عمر مع الدكتور عفيف البهنسي فناناً ورائداً للحركة الفنية
ممدوح قشلان

عندما تزور معرض "إحياء الذاكرة التشكيلية في المتحف الوطني بدمشق، ضمن إطار احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008" تستوقفك عشرات اللوحات المعروضة التي تعكس مستوى الجهد التشكيلي السوري من مطلع القرن العشرين حتى الستينات منه، ولكل لوحة موضوعها، أسلوب معالجتها، ألوانها، غرابة إخراجها، جوها الخاص...الخ.
من هذه اللوحات المعروضة ثلاث لوحات تحمل اسم عفيف البهنسي، وتتميز عن جميع لوحات المعرض . واليوم ونحن نكرم البهنسي باحثاً في الفكر والثقافة والعمارة العربية والإسلامية ... إلا أن له جانباً لا يقل أهمية عن ذلك، وهو إبداعه الفني، وبداية الجهد الذي انطلق فيه مشواره الثقافي هو الفن التشكيلي، الرسم والنحت فقد كان فناناً منتجاً ومبدعاً زامل الفنانيين الرواد الأوائل، وأصبح أحدهم بل أصبح مسؤولاًَ عنهم بحكم منصبه المرتبط بالفنون "مديراً للفنون الجميلة: وهكذا وجد نفسه مؤسساً أساسياً ورائداً يقود الحركة الفنية التشكيلية وتطورها.
تعرفت عليه خلال المعارض الأولى في منتصف القرن العشرين الماضي كانت وزارة التربية اليوم (المعارف آنذاك) تقيم في عام 1950 أول معرض عام للفن التشكيلي بإسم معرض الخريف في قاعتين صغيرتين وعدد متواضع من اللوحات والتماثيل... ومن ثم أصبح المعرض تقليداًَ سنوياً دورياً حتى اليوم.
وتتوالي لقاءاتنا مع ازدياد النشاط الفني وخاصة بعد تأسيس الجمعيات الفنية (رابطة الفنانيين للرسم والنحت، الجمعية السورية للفنون الجميلة).وكان أول ناقد فني .
عرفت فيه الرجل المتفتح المترصد لكل معرفة والمتحفز للإحاطة بكل خبرة جديدة والمساهم بكل مشروع بنّاء، لقد عايشنا معاً، نمو النشاط الفني التشكيلي في بداياته المتواضعة وأحلامه الكبيرة، كانت متواضعة إلا أنها واعدة وهذا ما كان...
عفيف البهنسي زامل الفنانين الرواد جميعهم (محمود جلال، ميشيل كرشة، سعيد تحسين، خالد معاذ، نصير شورى، ناظم جعفري، صلاح الناشف، رشاد قصيباتي، محمود حماد، ميلاد الشايب، ورشاد مصطفى، الذي درّس د. البهنسي أصول الرسم الهندسي الطبوغرافي... وتفاعل معهم جميعاً بمحبة وإخاء.
وهكذا برز اسم عفيف البهنسي بينهم فناناً منتجاً مبدعاً ثم مسؤولاً ناجحاً وإدارياً راعياً للجميع.
مارس الفن التشكيلي في مجالاته المختلفة من الرسم والتصوير بأنواعه وألوانه وأعماله في تلك الحقبة موزعة في المتحف الوطني وبعض المؤسسات والمجموعات الخاصة كما مارس النحت المجسم والبارز، وله فيه انتاج غزير جسد عبره أعلام التاريخ (الجاحظ- الفارابي- ابن سينا- ابن النفيس- الواسطي- الكندي- زكي الأرسوزي- عادلة بيهم- محمد كرد علي- حكمت محسن- زنوبيا ملكة تدمر...الخ) أعماله النحتية هذه تزين المباني والمؤسسات التي تحمل الأسماء المذكورة. كما مارس تصميم الشعارات وله فيها انتاج ذاخر وبصمة ذاتية...
رافقت نشاطه الفني ومسؤولياته في مواقع متعددة:
- عرفته مديراً للفنون الجميلة
لقد تسلم مسؤولية أول مدير للفنون الجميلة /1962-1971/ في عهد الرواد الكبار ذوي الخبرات الأصيلة والشخصيات الفنية المميزة والمتنافسة، ومع ذلك فقد استطاع أن يتفاعل معها جميعاً ويقودها في أنشطة مشتركة لها بداية وليس لها نهاية.
إذ تملك ناصية الأمر من جانبيه الفني والإداري، الفني كما ذكر كان له نشاط معترف به بجدارة، وإداري أثبت كفاءته، يملك خبرات عميقة في هذا المجال عبر مسؤوليات سابقة.
من المعروف في الإدارة أن قيادة العمل مع الناس العاديين يحتاج إلى نوع من الشفافية والدبلوماسية وأساليب احتواء مبدعة كي ينجح المسؤول، فما بالك بإدارة تشرف على النشاط الفني والتعامل مع مجموعات وشخصيات ذات أمزجة ونزعات متباينة؟لكل فنان عالمه الخاص، وله طلباته التي لا تنتهي.
إلا أن عفيف البهنسي استطاع أن يستوعب الجميع، ويتعامل مع كل فنان منهم بما يجعله يشعر بأهميته وتفوقه وتفرده... فكان التعاون مثمراً إلى أبعد الحدود مع الجميع.
فكان عفيف البهنسي مدير الفنون، الأول والأخير الذي شغل المنصب على مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب- حقق بمبادرات غير مسبوقة وإنجازات كبيرة:

  • فعّل النشاط الفني على أوسع نطاق وبشكل غير مسبوق.
  • أوجد الثقافة الفنية بنشر الكتب والمطبوعات الفنية.
  • عمم الممارسة الفنية في أغلب المحافظات بتأسيس مراكز الفنون التشكيلية والتطبيقية.
  • عمل على تنشيط الحركة الفنية بالمعارض الدورية والنوعية والأجنبية.
  • نقل المعارض إلى المحافظات في جولات لا تنتهي.
  • عمل على تنشيط اقتناء الأعمال الفنية لمختلفة دوائر الدولة والجهات العامة والخاصة.

لا بد من كلمة في هذا المجال، كان الدكتور البهنسي يرعى مصلحة الفنان إلى أقصى حد وبما يتوافق مع المصلحة العامة: "أذكر أنه في أحد المعارض السنوية /1962/ كنت مشاركاً بلوحتين في المعرض السنوي، تم اقتناؤهما في حفل الافتتاح الرسمي، والذي حدث أن السيد رئيس الوزارة زار المعرض في اليوم الأخير قبل رفعه وأعجب بإحدى اللوحتين المباعتين فما كان منه إلا أن نزع بطاقة اسم المقتني، وكان سفير إحدى الدول العربية- ووضع بطاقته الشخصية وقال: "جحا أولى بلحم توره"
فاتصل بي الدكتور البهنسي يسألني" نحن في إشكال؟ إلى من نعطي اللوحة؟ علماً بأن رئيس الوزارء مصر على امتلاك اللوحة وذكر لي العبارة وما قام به؟ فأجبته: بسيطة... نعطيها للاثنين.

  • كيف؟ وهي لوحة واحدة؟
  • ذكرت: أعمل لوحة أخرى.
  • علينا أن نسلمها صباح الغد.
  • وليكن...

وهكذا وافق الدكتور عفيف فوراً...
سهرت طوال تلك الليلة وأنا أرسم اللوحة الجديدة وبحجم أكبر من الأولى مع تعديلات جوهرية بحيث ولدت لوحة جديدة بنفس الموضوع.
وفي صباح اليوم التالي، حملت اللوحة الجديدة ودخلت مكتب الدكتور عفيف وفي نفس اللحظة دخل معي مراسل مكتب السيد رئيس الوزراء وهو يطلب اللوحات التي اقتناها دولة السيد رئيس الوزراء.
فاستلمها فوراً مع التنبيه بأنها مطلية.
والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء تسلمها بغاية السرور وأرسل لي بطاقته الشخصية مع كلمة شكر وارتياح كامل بكون اللوحة من نصيبه.
وكانت هذه المرة الأولى التي أنجز فيها لوحة كبيرة وبمستوى متحفي رائع خلال ليلة واحدة وهكذا كان الفضل في ذلك للدكتور البهنسي مدير الفنون الجميلة.
* في منتصف اتستراد المزة، يشمخ بناءان كبيران متجاوران يتفردان بمظهر معماري جميل ومميز، يحملان اسم الفنون الجميلة، ويعودان إلى الجمعية التعاونية السكنية الخاصة بالتشكيليين، قليل من يعرف تلك المبادرة العملية للدكتور عفيف بهنسي مدير الفنون الجميلة وجهده المتواصل لشهور عديدة. كنت أزور مديرية الفنون بين حين وآخر، واجد الدكتور البهنسي يخطط تصميمات معمارية متعددة، ويطلب من زواره الفنانيين إبداء الرأي بالبناء والمراسم... وقد تابع الموضوع إلى أن وصل به إلى الواقع الذي تنعم به اليوم أكثر من مئة شقة مع مجموعة من المراسم والمشاغل الملحقة بها في الطابق الأرضي سلمت إلى الفنانيين بأسعار رمزية زهيدة.
وللتوفير أيضاً. استطاع الحصول على الأرض هبة مجانية من المحافظة، وأذكر أن حفر الأرض من أجل الأساس العميق، كان أيضاً مساهمة مجانية من مؤسسة أخرى (متاع).
وارتفع البناء وسكنه الفنانون واستخدمت المراسم.
والغريب بالأمر أنه حقق هذا المشروع الضخم ولم يتملك هو شخصياً أية شقة أو مرسم، وكان بإمكانه ذلك بمنتهى البساطة، ولكن آثر أن يفيد الآخرين الذين لا يملكون البيت.
أتساءل... هل فكر واحد من الفنانيين القاطنين اليوم من هو مؤسس هذا المعلم المميز. بناء الفنون الجميلة؟ ومن كان وراء تحقيقه؟,

  • المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية

عرفته أيضاً مقرر لجنة الفنون الجميلة في المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية.
كان المحرك الأساسي في عمل اللجنة وتفاعل جلساتها ببحوث ودراسات، كان يحضر دراسات ومشاريع الموضوعات، ويطرح الآمال التي كنا نرجو تحقيقها للنهوض بالحركة التشكيلية مثل: انشاء كلية الفنون الجميلة، إعداد صالات عرض الأعمال الفنية قريبة من الجماهير، توفير المواد الأولية والألوان، توفير الكتب الفنية والمجلات ونشر الثقافة الفنية.
لن أنسى مشروع كتاب قاموس المصطلحات الفنية الذي أمضينا جلسات طويلة لتحقيقه.
إنشاء متحف للفنون الجميل أسوة بالبلاد المتطورة...الخ

  • البهنسي نقيباً للفنون الجميلة.

أكرر التساؤل: كيف تم تأسيس نقابة الفنون الجميلة؟ ومن هو وراء هذا الجهد الكبير؟.
في زياراتي لمديرية الفنون كان البهنسي يعد المرسوم الخاص بالنقابة ويجري الدراسات ويتابع المشروع في الدوائر الرسمية المختلفة إلى أن تم صدوره في عام 1969 ودعا إلى أول اجتماع تأسيسي في المركز الثقافي العربي، وتم انتخاب أول مجلس إدارة، وكان طبيعياً انتخاب الدكتورعفيف البهنسي أول نقيب لمنظمة شعبية خاصة بالتشكيليين.
وأذكر أنه في أول جلسة لمجلس الإدارة ذكر، أنه لا يمكننا أن نقوم بأي عمل أو مشروع أو حتى شراء ورق للكتابة أو مطبوعات لكتابة الرسائل ومحاضر الاجتماعات إذا لم يكن لنا صندوق مال خاص بنا، نخطط بموجبه مشاريعنا، وأخرج من جيبه مبلغ (10 ليرات سورية) واقترح على الأعضاء الاقتداء به كي يفتح أمين الصندوق حساباً جارياً في المصرف العقاري باسم نقابة الفنون الجميلة ومازال هذا الحساب إلى اليوم بنفس الرقم الذي افتتح آنذاك.
ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ بعد عدة جلسات من تأسيس النقابة اصطدم بآراء غير بناءة، أخذت تعرقل المسيرة وتهدم البناء من بداياته، فآثر الاستقالة وترك لي (كنت نائباً للنقيب) متابعة المشوار الطويل...

  • البهنسي مديراً عاماً للآثار والمتاحف.

  عرفته أيضاً مديراً عاماً للآثار والمتاحف، وهي أكبر مسئولية حملها لفترة طويلة وسوف أحصر حديثي حول إنجازاته بالفن التشكيلي من خلال منصبه بحيث يشكل الفن جزءاً من آثار الوطن المعاصرة في المتاحف.
ويتجلى إبداع البهنسي بالمشروع الكبير الذي اقترحه ونفذه بعد استلامه مسؤولية المدير العام للآثار والمتاحف مباشرة.
فقد دعا مجموعة من كبار الفنانيين (محمود حماد- نصير شوري- ميلاد الشايب- فاتح المدرس- عبد المنان شما- نذير نبعة- نعيم اساعيل- ممدوح قشلان) وعرض مشروعه النهضوي قائلاً: إن المتاحف الكبرى، تفخر بما تضمه من أعمال فنية ضخمة لفنانيها في مختلف العصور حيث تمثل الوجه الحضاري للوطن وكي ندفع بالطاقات الابداعية للتفاعل، ونغني المتحف بالأعمال الكبيرة، ويستفيد الفنانون بالإنجاز والنفع المادي. أقدم هذا المشروع:

  • يقوم الفنان برسم لوحة كبيرة بالحجم الذي يريده.
  • يختار الموضوع الذي يرغب بالتعبير عنه على أن يقدم دراسة أولية قبل التنفيذ.
  • يأخذ الفنان المدة الزمنية التي يتطلبها العمل، وكذلك حرية استخدام مواد التلوين المختلفة.
  • ينفذ العمل بأسلوب الفنان الذي يتميز به.
  • يقتني العمل فور تسلمه بموجب عقد ضمن الأسس القانونية والإمكانات المادية المتوفرة (مبلغ 1000 ألف ليرة سورية للمتر المربع).

وتجاوب الفنانون بحماس للمشروع، وكان ثمرة ذلك ما يضمه المتحف الوطني اليوم من عشرات اللوحات الضخمة، تؤرخ للحركة الفنية بأعمال الفنانين خلال النصف الثاني من القرن العشرين وسجل للدكتور البهنسي مكرمته هذه، ونظرة بسيطة، لولا مشروع البهنسي هذا لكنا ما زلنا بتخبط في تذبذبات اللوحات الصغيرة والسعر التافه.
وبهذه المناسبة تخطرني قصة لوحتي الكبيرة في هذا المشروع:
من طريف ما يذكر أنه بعد أن رسمت لوحتي وهي الأكبر في المتحف حتى اليوم أن حجم اللوحة كان 4 أمتار×2 متر وحين البدء، جلب النجار قطع الخشب منفردة وجمعها إطاراً حسب قياس اللوحة في غرفة المرسم بمنزلي في منطقة الميسات
وبقيت أرسم في اللوحة مدة عام كامل إلى أن انتهت، وبرزت المشكلة الكبرى في إخراج اللوحة أولاً من باب غرفة المرسم ثم باب المنزل، ولم يكن من سبيل سوى نزع الإطار الخشبي للأبواب (الملبن) وبشكل قطر مائل، ووصلت اللوحة بسلام إلى مقرها في المتحف، وبعد فترة وجيزة وخلال غيابي عن الوطن- 1978 قضيتها في منحة من الحكومة الإيطالية لتعميق الخبرة - زار المتحف الوطني أحد مدراء متحف اللوفر بصحبة الدكتور البهنسي، ولما شاهد اللوحة، أبدى إعجاباً ودهشة من العمل الرائع فيها، ومما قاله له لي د.بهنسي عن لسانه بعد عودتي: يسرنا أن تكون اللوحة في متحفنا... حيث الفنانون عندنا يبحثون عن القيم الفنية الناجحة هذه.
فما كان من الدكتور البهنسي إلا أن طلب إلي عمل لوحة ثانية للمتحف الوطني بحلب وقد لبيت طلبه بلوحة كبيرة ولكن جعلتها قطعتين أي ثنائية وضغطت العرض قليلاً 175×400سم كي لا نتعرض لمشكلة إخراج اللوحة من المنزل.
هذه الأريحية من الدكتور بهنسي والتعامل مع الفنان بما يتلاءم مع المصلحة العامة أولاً وتفاعل الحركة الفنية بمبادرات مشاريع بناءة تثري الجهد الفني وتشجيع الفنان على البحث والتطور. لم نجدها من مدير فنون إلا من قبل الدكتور عفيف البهنسي .

  • الإنجاز الفكري:

    وأخيراً... لا يخفى أن الدكتور البهنسي وجيله قد بذلوا الجهد غير المحدود للتعمق بالدراسة والإحاطة بالخبرات والتحصيل المعرفي قبل الانتقال إلى البحث حول الفن والحضارة والإبداع النظري، فقد ألف البهنسي عشرات الكتب التخصصية والتي أثرت المكتبة العربية الفاقدة أصلاً لهذا الجانب من الإنتاج، وواكب نمو الحركة التشكيلية في النصف الثاني من القرن العشرين، وتوالت إصداراته كتاباً إثر الآخر، وأصبحت مراجع  يعود إليها الدارسون والفنانون والمثقفون.. ويعتبر الدكتور البهنسي من أبرز الباحثين الذين كتبوا عن الفنون في سورية والوطن العربي، فمؤلفاته التي تزيد عن سبعين كتاباً لم تأت من فراغ بل سدت الفراغ الحاصل في المكتبة العربية.
كانت جهوده تنصب على التعريف بالفن ومجالاته وأساليبه ومدارسه ورجالاته في البلاد العربية والأجنبية إلى ما يتعلق بأوابد العمارة والحضارة العربية والاسلامية. التراثية والمعاصرة.
وتتالت المؤلفات: الفن والقومية- الثورة والفن- الفن والاستشراق- فلسفة الفن عند التوحيدي، الفن الحديث في البلاد العربية- تاريخ الفن والعمارة العمارة عبر التاريخ، الفن الاسلامي، الشام الحضارة- الجامع الأموي- الخط العربي- العمارة العربية...الخ.
ولعمري أنها الريادة... والريادة عند البهنسي لا تقف عن نشاط أو مجال فكري أو نظري واحد. بل هو نموذج للعطاء المتنوع كالطبق الصيني الأصلي يتجاوب مع الرنين من كل جانب.
وأتساءل من جديد... هل فكر أحد وخاصة الفنانون الشباب بأن ما يتمتع به الفنان اليوم من إمكانات اكتساب الخبرة والعلم وتوفير المؤسسات والإمكانات العلمية والفنية، النظرية والعملية والأدوات والمواد...الخ مما كان يعز وجوده قبل نصف قرن من الزمان.
عفيف البهنسي، وبحكم مسؤولياته التي ذكرت بذل جهداً غير محدود لتحقيق هذه الجوانب... إنه ينتمي إلى جيل من الرجال الذين نذروا أنفسهم وما يملكون للعطاء وبناء الوطن قبل الأخذ والتماس المغانم والمكاسب... عملوا جاهدين على البناء في شتى المجالات حجراً فوق آخر حتى يرتفع بناء الوطن في عزة وشموخ وفي صورة حضارية نفخر بها وبهم.
فهنيئاً للوطن بالدكتور عفيف البهنسي وأمثاله فهو عدة رجال في إنسان واحد.

 
|     Copyright © 2010 afif-bahnassi. All rights reserved.    |   
Powered by Identity